د. ماهر عبد المحسن

الخشت والطيب.. وأزمة المثقف المسئول


السجال الفكرى الذى دار، فى مؤتمر تجديد الفكر الإسلامى، بين د. محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة و د. أحمد الطيب شيخ الأزهر، وأثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إنما يعكس أسلوباً من التفكير، مهيمن على المجتمع، يأبى إلا أن يحيل أى محاولة للحوار إلى نوع من الصراع أو المباراة التى ينبغى أن تنتهى بانتصار أحد الطرفين على الآخر. وقد تأكد ذلك فى مشهد التصفيق الحاد الذى كان يحظى به الطيب كلما طرح سؤالاً أو فنّد رأياً، وكأنه أحرز هدفاً (بلغة الكرة).
كما زاد التأكيد على هذه الممارسة ذات الطابع الصراعى التنافسى بعد المؤتمر على مواقع التواصل الاجتماعي، الأسرع استجابة بطبيعة الحال، وعلى القنوات الفضائية، المؤيدة والمعارضة. فالمنحازون للخطاب العلمانى التجديدى صفقوا للخشت، على طريقتهم، بالرغم من أنه رفض أن يحسبوه على هذا التيار وإن بطريقة غير مباشرة. والمنحازون للخطاب الدينى التقليدى واصلوا التصفيق، على طريقتهم أيضاً، للطيب. والموضوعيون،  الذين حاولوا أن يتخذوا موقف الحياد، لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم من الشعور، الذى تسلل إليهم، بأن ثمة فائز ومنهزم فى السجال.
والحقيقة الغائبة التى لم يلتفت إليها أحد أن كلا المفكرين من رجال الدولة، لأنهما يرأسان مؤسستين تتمتعان بأهمية خاصة، جامعة القاهرة ومشيخة الأزهر. والسجال، بهذا المعنى، ظاهره فكر وباطنه سياسة. وإذا أردنا أن نقرأ المشهد جيداً، فلا مفر من إدخال العنصر المؤسسى السياسى فى معادلة التفسير. فالمسألة لم تعد علماً خالصاً أو ديناً خالصاً، وإنما علم ودين وسياسة واجتماع. ولن أكون مبالغاً إذا ما أضفت البعد السيكولوجى إلى هذه العناصر المكوّنة للموقف ككل.
فالبعد الوجدانى كان حاضراً بقوة بالرغم من عقلانية المظهر. فغلب على الطيب الانفعال، وعلى الخشت الحماس مع شئ من الغضب أو الشعور بالاستفزاز المضمر من مداخلة الطيب التى أخذت شكل الهجوم. وهو ما اتضح فى محاولة الطيب وضع الخشت فى قياس إحراج عندما أمسك بأحد كتب الخشت المهداه له متسائلاً: هل الكلام الموجود فى الكتاب يمثل يقين مطلق أم شك؟ وهو التساؤل الذى ينبغى أن تؤدى أى إجابه عنه إلى إيقاع الخشت فى الخطأ.
وبالرغم من إن الخشت استطاع أن يخرج من الموقف بذكاء عندما وضع ”النسبية” مكان ”الشك” فى مقابل ”اليقين” ليحيل فكره إلى محض اجتهاد قد يخطئ أو يصيب، إلا إن المسألة التى لا ينبغى أن تغيب عنا هى أننا، فى كل الأحوال، إزاء طريقتين فى التعامل مع السلطة المؤسسية التى ينتمى إليها كل منهما. وهنا يثور السؤال: كيف يمكن للمفكر صاحب الرؤية النقدية والإصلاحية أن يعبّر عن آرائه الخاصة دون أن يخسر ولاءه للمؤسسة التى ينتمى إليها؟
وضح من نبرة الطيب الانفعالية وكأنه يبرئ نفسه أمام الله من إثم ما ارتكبة ذات يوم بسبب منصبه، خاصة عندما ذكر أنه يتحدث بما يمليه ضميره حتى يلقى الله وقد قدم شيئاً. وهى عبارة لا تفسير لها سوى أنه فى مرحلة التكفير عن الذنوب، المؤسسية بخاصة، وهنا يوجه نقده للنظام من طرف خفى عندما يشير إلى عجزه عن صناعة كاوتش سيارة بينما يضيع الوقت والجهد فى إثارة مشكلات وهمية وجدل لا طائل من ورائه. إنه ينتقد الخشت المؤسسة (الجامعة) لا الشخص، وينطبق الشئ نفسه على الخشت الذى كان يرد على الأزهر فى شخص الطيب، بالرغم من احترامه له ولدوره التنويرى فى المجتمع.
إن الطيب فى لحظة صدق متجردة قرر أن ينفصل عن المؤسسة، ويتحدث كمفكر له رأى دينى ورؤية سياسية، ومن هذا المنطلق لم يجد حرجاً فى استدعاء شخصيتى ترامب ونتنياهو اللاعبين المؤثرين فى مصير الشرق الأوسط، والإشارة إلى القضية الفلسطينية والوجود غير المشروع للكيان الصهيونى المحتل. كما لم يجد حرجاً فى التعبير عن رفضه للانتهاكات التى يتعرض لها التراث الدينى بإسم التجديد. وهو موقف معارض لسياسة الدولة و للمؤتمر الذى يتحدث تحت مظلته.
وفى المقابل، وقف الخشت مدافعاً عن موقفه بكل حماس، موظفاً كل الإمكانيات المتاحة من أجل توصيل رسالته، بدءاً من لغة الجسد مروراً باستدعاء القرآن والسنة وسير الصحابة وانتهاءً باستخدام المصطلحات الفلسفية الفنية الدقيقة. بدا الخشت متمكناً فى ثقافته، واعياً بأبعاد القضايا التى كان يناقشها، وفوق هذا وذاك، وهو الأهم، كان قادراً على أن يحافظ على الشعرة الدقيقة التى بين الشخص والمؤسسة.
فالخشت المفكر له موقف اعتدالى واضح ومفهوم، بحيث لا تستطيع أن تحسبه على أى تيار كما حاول مراد وهبة ذات يوم وحاول شيخ الأزهر فى هذا اللقاء. كما لا يمكنك أن تعتبره بوقاً للسلطة كما يروج البعض. الخشت، وكما ذكرت فى دراستى المطوّلة عنه، صاحب شخصية كاريزمية متصالحة مع نفسها ومع العالم.  فهو لاعب ماهر، لديه من الذكاء ما يمكّنه من أن يعبّر عن أفكاره من داخل المؤسسة، وأن يعبّر عن المؤسسة دون أن يخسر مبادئه. وقد وصف نفسه بأنه لا ينتمى إلا إلى عقيدته الذاتية، وأنه مسلم فحسب، لا أشعرى ولا معتزلى.
وحتى يحقق الخشت هذه المعادلة الصعبة، فإنه كان حريصاً على أن تكون المناقشة علمية فقط، فاهتم أكثر بتحديد المفاهيم، ولم يشأ أن يتورط فى أى آراء سياسية يمكن أن تُحسب عليه فيما بعد، على نحو ما فعل الطيب.
لقد كان الخشت معنياً بالتجديد، بينما كان الطيب معنياً بسياسة التجديد، أى الإيديولجيا التى تقف وراء دعاوى التحديث، التى وصفها بأنها صناعة غربية استعمارية. وهذا ما يفسر لنا حرص الخشت على تحديد معنى “التجاوز” فى العربية والألمانية ، كما يفسر لنا استخدام الطيب لعبارات من قبيل: “السياسة تختطف الدين اختطافاً”، “أرجو أن تكون على علم بما وراء الأكمة”، “تفويت الفرص علينا” استشعاراً منه لحرج اللحظة التاريخية التى نعيشها.
وفى كل الأحوال، ينبغى أن نعترف بأن المفكر المسئول مهما كان حراً فى التعبير عن آرائه، ومهما كان قادراً على التوفيق بين العناصر الذاتية والمؤسسية فى خطابه، تظل هناك منطقة إرغامية لا يمكن تجاوزها. وهنا لا يكون أمام المفكر سوى أحد احتمالين إما أن يمتلك كاريزما جماهيرية، مثل الخشت، تضمن له الصفح لدى محبيه حين الوقوع فى الخطأ، أو أن يمتلك خبرة وجرأة، مثل الطيب، تجعله يراجع نفسه، ويكفّر عن الذنب الذى يرتكبه، حتى لو كان الثمن المجازفة بالمنصب.
لقد أعجبنى الدكتور الخشت، كما أعجبنى الشيخ الطيب، لكن لم يعجبنى جمهور المشاهدين، الذين مازالوا يتعاملون مع أمور العلم والثقافة بمنطق الكرة، كما لم يعجبنى جمهور المثقفين، من كلا الجانبين، الذين ينادون بالحوار وبالنقد طوال الوقت، و يمارسون أقصى درجات الإقصاء عند الاختلاف. إننا فى حاجة إلى مؤتمر آخر لجموع المثقفين، ندعو فيه إلى تجديد الذائقة النقدية، وتفعيل آداب الحوار، وأخلاقيات التلقى، وترسيخ معنى الغيرية وقبول الآخر.


أضف تعليق