د. ماهر عبد المحسن
بالرغم من كل وسائل الترفيه المتوفرة لهذا الجيل من أبنائنا الصغار، والتي وصلت إلي حد القدرة على استدعاء العالم كله بضغطة زر واحدة من إصبع اليد، إلا أني، كأب، أشفق كثيراً على هذا الجيل، وأري أنه ظُلم كثيراً، ولم تُتح له الفرصة الحقيقية الكاملة كي يمارس طفولته البريئة كما مارسناها، وأن يعيش حياته الغضة الجميلة بنحو ما عشناها. ويكفي أنه شهد من الأوبئة ومن الكوارث الطبيعية أكثر مما شهد من مسلسلات التليفزيون وأفلام السينما، ومما قرأ من المجلات المصورة، ومما مارس من ألعاب الرياضة.
أضف إلى ذلك منظومة التعليم المجنونة، التي حولت الطلبة إلى فئران تجارب، يُمارس عليهم خطط وبرامج عشوائية، لم تأخذ وقتها من الدراسة المتأنية المتعمقة، بحيث صاروا في سباق محموم غير معروف نهايته. والمحصلة ان يتحول البيت الي نوع من السجن، يؤدي فيه الطالب مذاكرته كمن يقضي عقوبة الأشغال الشاقة، أو كمن يعد نفسه لقتال وهمي ضد أعداء افتراضيين، لتحقيق فوز لا معني له سوي أن يكون موضوعاً لفرحة عابرة، أو لإعجاب وتصفيق مفتعلين، بنحو ما كان يتقاتل العبيد في روما القديمة، للتسرية عن رجال البلاط والعائلة المالكة!
المشكلة الحقيقية التي تواجه هذا الجيل أن عالمه صغيراً جداً بالرغم من وسائل الاتصال العديدة، وتدفق المعلومات الذي لا نهاية له. فهناك تضخم في الوعي وتهافت كبير في التفاعل الحقيقي مع مفردات العالم الذي يعيشون فيه. وبلغة الفلسفة فإنهم يعيشون الكوجيتو الديكارتي أكثر مما يعيشون وجودية سارتر. هناك غياب شبه تام لجغرافيا المكان الذي يعيشون فيه ولتاريخ العلاقات الإنسانية في العالم الذي ينتمون اليه.
فما يميز طفولتنا عن طفولة أبنائنا أننا كنا لا نملك أدوات المعرفة بين أيدينا، فكنا نصل إلى معارفنا بأنفسنا، عن طريق التجربة المباشرة، من خلال التواصل مع الناس والأشياء والأماكن، فلم تكن هناك تلك الحدود الصارمة الفاصلة بين البيت والشارع. فمنذ المراحل الأولي المبكرة من حياتنا كنا نتحرك بحرية دخولاً وخروجاً، وكانت لنا صداقات طفولية بريئة صنعناها بأنفسنا دون وصاية من الكبار، وكان لنا أعداء ومناصرون كذلك. وكانت لنا نجاحاتنا وإخفاقاتنا التي لم تكن تخص أحداً سوانا، فكثيراً ما كنا ننام سعداء أو محزونين، دون أن يعلم أحد بخبايا صدورنا، المنغلقة علي عوالمنا السحرية التي لا يدخلها سوانا.
كم كنا ضحايا لبراءتنا، وكم كانت براءتنا سبباً في كشف جديد أو استخلاص متعة مثيرة. كنا نحفظ البيوت والشوارع والحارات، التي كنا نلعب فيها ونختبئ من بعضنا البعض فيها. كنا نعرف المحال وأصحاب الدكاكين، وتربطنا بهم صلات حميمية، لأننا نشتري منهم أشياءنا واحتياجات أسرنا طوال اليوم، وفوق هذا وذاك، كان بيننا وبينهم صراع درامي لا يخلو من طرافة، عندما كنا نصرّ على لعب الكرة أمام محالهم بالرغم من تحذيراتهم المتكررة. فكانوا يطاردوننا أحياناً، ويتركوننا، بأريحية، أحياناً أخري. وكانت الكرة في ذلك الوقت هي نقطة ضعفنا، فكانت رمزاً للتمرد من ناحيتنا، وللسيطرة والتحكم من قبلهم إذا ما نجحوا في الإمساك بها.
كنا نصنع ألعابنا بأيدينا، وكانت لنا ألعاب في الصيف وألعاب في الشتاء تعكس ارتباطنا بالطبيعة، فكنا نصنع أساطيرنا من طين الأرض المبللة بماء المطر، ونحتمي من لفحة الهجير في أيام الصيف الملتهبة في بيوت كرتونية كنا نوهم أنفسنا أنها صالحة للسكني. كنا نرتدي أقنعة السلطة بشجاعة يحسدنا عليها الكبار، فنلعب أدوار الأب والأم وأستاذ الفصل وناظرة المدرسة وعسكري الدورية. كما كنا نتوحد مع أبطالنا الخارقين، الذين صنعتهم الثقافة الشفاهية التي كنا نتلقّاها في الأمسيات الأسرية الساحرة. وكثيراً ما كنا نتقمص أدوارنا حد الذوبان، فنأوي إلي فراشنا وداخلنا طاقة حلمية هائلة، تجعلنا نستقبل الصباح وكأنه بوابة سحرية لاكتشاف كنز جديد.
لم نكن نذهب إلى مدارسنا بالباص، لكن سيراً علي الأقدام، وكانت المسافة بين البيت والمدرسة بمثابة مدرسة أخرى وحياة أخرى غير رسمية، نحقق فيها صداقات ونكتسب خبرات، ونغذي روح الإنسان فينا. لم تكن المنافسة دراسية فحسب، لكن أيضاً رياضية وثقافية وفنية، ولم يكن معيار التفوق هو الدرجات العلمية فقط، لكن كان هناك اعتبار للقدرات الخاصة والمواهب الإبداعية.
لم يكن الواجب المدرسي أو “الهوم ورك” يشكل عبئاً أو هماً ثقيلاً كما هو الحال الآن، لأنه لم يكن يشغل كل الوقت، فكان للواجب وقته وللترفيّه وقته. بل كان الترفيّه ياتي كمكافأة نمنحها لأنفسنا بعد المذاكرة، فإذا رغبنا في مشاهدة فيلم أو مسلسل أو مباراة في الكرة كنا نعكف علي المذاكرة أولا، ولا نتركها حتي ننتهي منها وعندئذ يكون الوقت المتبقي ملكا لنا، وهو شعور سار جداً، يفتقده أبناؤنا هذه الأيام، المطالبون بالدوران في الساقية نفسها طوال الوقت. وفي هذا السياق، أذكر أن إحدى الأمهات كانت تحفّز أولادها بأن تخبرهم أن عليهم أن يتعبوا الاثني عشر عاماً الأولى من التعليم الأساسي، ثم يفعلون ما يشاؤون بعد ذلك. والخطير في الموضوع أن هذه السنوات الأولى هي التي تشكل الوجدان وتسهم في تخصيب الخيال لدي أي إنسان. وقد فطن أديب إنجلترا العظيم تشارلز ديكنز إلى هذه الحقيقة عندما كتب روايته الشهيرة “أوقات عصيبة” Hard Times، كما أن حياة الرومانية ناديا كومانشى بطلة الأوليمبياد في لعبة الجمباز خير دليل علي ذلك، حيث كتب المحللون عنها أنها أسطورة لم تعش طفولتها. ويمكن أن يُقال الشيء نفسه عن طفولة الملك فاروق، التي صورتها الدراما التليفزيونية، حيث كان يُعد لحكم البلاد منذ طفولته، بينما كان يجد سعادته في اللعب، خفية، مع خدم القصر.
والحقيقة أن ذلك لا يمنعنا من الاعتراف بأن العباقرة والمبدعين في كل المجالات غالباً ما تكون لهم طفولة مختلفة عن أقرانهم، غير أن الشيء الذي لا ينبغي أن نختلف عليه أن تكون هناك طفولة علي أي نحو من الأنحاء. وأهم ما يميز الطفولة بصفة عامة، هو الحرية والعفوية، وترك مساحة معقولة للتعبير عن الذات، وأخذ زمام المبادرة في استكشاف العالم.
علي ألا تنفصل التجربة الوجودية عن التجربة المعرفية، وألا ينفصل العقل عن الخيال. ربما يحدث ذلك في مرحلة عمرية لاحقة، بحكم التخصص غالباً، كأن يمتهن البعض أعمالاً يدوية ويمتهن آخرون أعمالاً ذهنية، غير أن الطفولة تحتاج إلى كل الملكات، لأن طفل اليوم ليس هو رجل الغد فحسب، ولكن طفل الأمس هو طفل اليوم كذلك. فكلما استطاع الإنسان أن يحتفظ بطفولته في الكبر، استطاع أن يحتفظ بعلاقته الغفل بالعالم، ومن ثم بقدرته علي التساؤل والاكتشاف!
أبناؤنا وطفولتهم التي لم يعيشوها!

