د. ماهر عبد المحسن

فى ظل الثورة المعلوماتية التى يعيشها إنسان هذا العصر، يعتبر ظهور الكتاب المسموع نتيجة طبيعية لهذه الثورة، كما يُعد مرحلة هامة فى المسيرة التطورية لمصادر المعرفة والإبداع، جنباً إلى جنب وسائل التواصل الاجتماعى ذات الحضور القوى، والإمكانيات العالية المؤثرة.
ويُلاحظ أن كل مرحلة فى تطور الكتاب كانت ترتبط بنوع معين من الحواس، تحددها طبيعة المادة أو الوسيط الذى يظهر فيه الكتاب. فالكتاب الورقى ارتبط بالحواس البصرية واللمسية والسمعية والشمّية، لأن للورق مظهر وملمس ورائحة وصوت يحدثه أثناء تقليب الصفحات. والكتاب الإلكترونى يرتبط بالرؤية فقط أو بالرؤية والاستماع على الأكثر إذا كانت هناك موسيقى أو مؤثرات صوتية مصاحبة. أما الكتاب المسموع، الذى يعتبر أحدث شكل في تطور الكتاب، لا يرتبط إلا بحاسة السمع فقط.
والحقيقة أن ارتباط الكتاب الورقى بالعديد من الحواس، خلافاً للنوعين الآخرين من الكتب، هو ما يشكل خبرة إنسانية متكاملة لفعل القراءة، وهو ما يفسر ارتباط الكثيرين من القراء، خصوصاً الأكبر سناً، بالكتاب الورقى وعزوفهم عن الكتابين الإلكترونى والمسموع.
غير أن الأمر الذى لا ينبغى إنكاره هو أهمية الكتاب المسموع، بل وضرورته فى الثقافة العربية، للنهوض بالعقل العربى وإعداده للدخول فى عصر عماده اتساع المعرفة وتدفق المعلومات، خاصة فى ظل تفشى الأمية وتراجع عادة القراءة. وفى هذا السياق، ليست هناك شروط خاصة لدخول الكتاب المسموع فى الثقافة العربية، ولسنا بحاجة إلى كتاب مسموع من نوع خاص. فالعرب، مثل غيرهم، متعطشون للمعرفة ولديهم الرغبة فى مواكبة العصر، خاصة قطاع الشباب، والدليل على ذلك انتشار الكتاب الإلكترونى بالرغم من عيوبه، وفى ظل  وجود الكتاب الورقى بكل مميزاته. فالمعيار، فى كل الأحوال، هو جاذبية الموضوعات وسهولة التناول.
أما عن الأخطاء اللغوية التى يمكن أن تحدث فى الكتب المسموعة فيمكن تداركها من خلال استعانة دور النشر بمن تتوفر فيهم الشروط اللازمة لقراءة لغة عربية سليمة. علماً بأن الكتاب المسموع، بحكم طبيعتة، لابد أن يختلف عن الكتاب الورقى، لأن الجمل التى تُكتب على الورق يكون لها سمات أخرى، وحضور من نوع آخر، عندما تتحول إلى صوت. هذا ويتميز الكتاب المسموع عن الورقى والإلكترونى بأن اعتماده على الصوت فقط من شأنه أن يفرد مساحة كبيرة للخيال. فالفرق بين الكتاب المرئى والكتاب المسموع مثل الفرق بين التليفزيون والإذاعة. 
ولعل فى هذا الاختلاف ما يجعلنا نتوقع للكتاب المسموع تطوراً أكبر، و استفادة أكثر من التقنيات المعاصرة، ولاشك أن توظيف المؤثرات الصوتية، والأداء الصوتى الرخيم سيساعد كثيراً فى جعل الكتاب أكثر جاذبية وأوسع انتشاراً.
وأخيراً، لا يمكننا أن نقول إن الكتاب المسموع سيزيح الكتاب الورقى عن عرشه، لأن كل نوع من الكتب يلبى حاجة مختلفة لدى القارئ، فقارئ الكتاب الورقى، هو، فى الغالب، من يقرأ الإلكترونى والمسموع، ويأتى ذلك بحسب الظروف التى يقرأ فيها، وهدفه من القراءة. فالقارئ الحقيقى، يبحث عن الكتاب ويمارس هوايته فى القراءة بأى صورة.


أضف تعليق