د. ماهر عبد المحسن

مقدمة:
ينتمي المفكر المصري زكريا ابراهيم (٢٤ يوليو ١٩٢٥م – ٢٧أبريل ١٩٧٦م) إلى جيل الرواد، الذي نشأ في بدايات النصف الأول من القرن العشرين، وهو جيل كان يسعى إلى النهضة والتجديد على أساس من فكرة التنوير بما تحمله من تربية وتثقيف. وكان لزكريا إبراهيم مشروع تربوي وتثقيفي بارز في ميدان الفلسفة والاجتماع وعلم النفس، قام على تبسيط هذه العلوم، وتقديمها للقارئ العربي في لغة أدبية بسيطة وجذابة. وجاء هذا المشروع في شكل سلاسل فكرية، لعل أشهرها سلسلتي “مشكلات فلسفية” و “عبقريات فلسفية”، اللتان تحدث عنهما زكريا إبراهيم قائلا:
” وقد كان رائدنا في هاتين السلسلتين أن نضع بين يدي القارئ العربي المثقف قضايا فكرية هامة يمكن أن يفيد من عرضها ومناقشتها، دون أن نفرض عليه أية عقيدة فلسفية أو أي مذهب فكري. ولقد أقبل جمهور القراء على هذا النوع من الدراسات إقبالا حسنا، فكان ذلك حافزا لنا على مواصلة السير على الطريق الذي انتهجناه لأنفسنا، واثقين من أن تزايد الوعي الفلسفي في الوطن العربي الكبير لن يكون إلا عاملا من عوامل تقوية الوحدة الفكرية الكبرى في عالمنا العربي”(زكريا إبراهيم، فلسفة الفن في الفكر المعاصر، مكتبة مصر، القاهرة، ١٩٨٨م، ص٣).
وتتضح من كلمات زكريا إبراهيم مسألتان هامتان: الأولى أنه لا يقدم فلسفة أو رؤية ذاتية، ولكن بالأحرى هو يقدم فكرا موضوعيا جدليا، من خلال العرض والمناقشة. المسألة الثانية أن مفكرنا، مثل مثل كل رواد الفكر العربي، ينطلق في مشروعه من هم قومي عربي وهو تقوية الوحدة الفكرية في عالمنا العربي على حد تعبيره.
بهذا المعني، ينبغي علينا أن ندرك منذ البداية أننا لسنا إزاء مفكر لديه نظرية فلسفية متكاملة، أو أنه يحمل فكرا جديدا يمكن مراجعته أو الدخول معه في حوار. ومثل هذا اللون من المفكرين تجد معهم صعوبة في التعاطي مع أفكارهم، لأنها في الحقيقة ليست أفكارهم، ولكن أفكار الفلاسفة الآخرين الذين يعرضون لها!
ونحن هنا لا نبخس حق مفكرنا الكبير، ولا يمكننا أن ننكر الدور الهام الذي لعبه في الثقافة العربية على مدار أكثر من نصف قرن، لكننا نريد فقط أن نضع أيدينا على المنهج أو الطريقة التي ينبغي على الباحث أن يسير عليها حتى يمكنه التعامل مع مثل هذا المنجز الفلسفي، وهو كثير في تاريخنا الفكري، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، فترة التعريف بالفكر الغربي والتأسيس لفكر عربي جديد.
وقبل البحث في هذا المنهج، ينبغي أن نشير إلى أن أهم ما يميز كتابات زكريا إبراهيم هو ذلك الأسلوب الأدبي المعبّر الذي يمكنه أن يبث الروح العربية في ثنايا الفكر الغربي الذي يستند إليه في جل مؤلفاته، بحيث تشعر وكأنه فكر الكاتب الأصيل لا فكر الآخر بعد إعادة صياغته. الميزة الأخرى أن زكريا إبراهيم لا يكتفي بالعرض والتبسيط، لكنه يقيم حوارا متعمقا مع الأفكار التي يتناولها بحيث تثري العمل وتضيف إليه، وذلك من خلال رؤية خاصة للكاتب، لا تظهر إلا في سياق الحوار الذي يقيمه مع نصوص الآخر.
وعند هذه النقطة الأخيرة يمكن أن نحدد الطريق. ونحن هنا نجتهد في وضع طريقة للقراءة نزعم أنها جديدة، أو بتعبير أكثر تواضعا نقول إنها الطريقة الأنسب لمثل هذا النوع من النصوص، وهي طريقة يمكن أن نطلق عليها “القراءة الخطية” أو “القراءة الاتجاهية”. وهي قراءة لا تركز على الفكر قدر اهتمامها بحركة الفكر، وتحديدا اتجاه الفكر، فربما لا يكون لدي مفكرنا نظرية، لكن من المؤكد أن لديه ميل، وإن بطريقة غير واعية، إلى اتجاه ما.
ويمكن معرفة هذا الاتجاه من خلال الوقوف على ملامح فكر الكاتب التي يمكن العثور عليها في سياق آرائه المتناثرة داخل النصوص محل الدراسة. وفي مقالنا سنحاول أن نعرف الاتجاه الفكري لزكريا إبراهيم في ميدان فلسفة الفن من خلال التعرض لكتابه “مشكلة الفن”.

زكريا إبراهيم والكتابة في الفن:
كتاب “مشكلة الفن” هو المؤلف الثالث في سلسلة “مشكلات فلسفية”، ومن اسم السلسلة يستمد الكتاب عنوانه، لأن زكريا إبراهيم ، في الحقيقة، لم يضع الفن كإشكالية في حد ذاتها، ولم يستهله بمجموعة من التساؤلات التي تتعذر الإجابة عليها، ومن ثم تُوصف بالإشكالية. فالإشكالية موجودة في كتب السلسلة بنحو ضمني مفترض مسبقا، وإن صرّح بها في بعض المواضع.
وربما كانت الإشكالية الأولى التي حرص إبراهيم على التصريح بها، في تصديره للكتاب، هي علاقته الملتبسة بالفن التي جعلته يعتبر نفسه دخيلا عليه، ومن ثم تأتي الإشكالية من مفارقة أنه يكتب عن الفن دون أن يكون من أهله، وفي هذا الصدد يقول:
“ربما كان من حق القارئ عليّ -قبل أن أدعه يقبل على قراءة هذا الكتيب الناقص في الفن- أن أجلس أمامه قليلا فوق كرسي الاعتراف! ولن أكون قد أرضيت ضميري العلمي لو أنني اقتصرت على القول بأنني دخيل على الفن، وإنما لابد لي من أن أقر أيضا بأنني ترددت مرارا قبل أن أقحم نفسي على ميدان الدراسات الفنية والجمالية”(زكريا إبراهيم، مشكلة الفن، مكتبة مصر، القاهرة، بدون سنة نشر، ص٣).
والحقيقة أن زكريا إبراهيم عندما يعتبر نفسه دخيلا على الفن فلا يقول بذلك من باب التواضع، ولكن بدافع من الرغبة في إيجاد مسوّغ شرعي لإقدامه على التأليف في ميدان الجمال، وهو الميدان الذي يدرك إبراهيم أنه يحتاج إلى تخصص دقيق ولا يُكتفي فيه بالمعرفة العامة. يؤكد ذلك إشارته إلى أن هناك الكثيرين ممن كتبوا في الفن من غير الفنانين ومؤرخي الفن. غير أن الاعتبار الذي يوليه إلى عملية الكتابة في الفن، دون تخصص دقيق، هو التأني وعدم التسرع في الإقدام على خطوة الكتابة، فيقول:
“ولكن الدرس الأول الذي تعلمته من احتكاكي الطويل بجمهرة الفنانين، هو التأني في الإنتاج، والتمرد على الرغبة العارمة في الإبداع، والاقتصار على الاختلاف إلى مدرسة الفن الكبرى في صمت وتواضع وأناة”(الموضع نفسه).
وبعد أن يستفيض زكريا ابراهيم في شرح الأهمية القصوى للتروي قبل الإبداع في الفن، يورد مثالا صارخا لأستاذه ريمون بايير، أستاذ الجمال في السوربون، الذي أنجز كتابه “رسالة في الاستطيقا” بعد ربع قرن من الزمان قضاها في تعمق مسائل الجمال دارسا ومدرسا، ثم مضت فترة صمت طويلة قبل أن ينشر كتابه الصغير “محاولات في المنهج الاستطيقي” عام ١٩٥٣م ثم مؤلفه الضخم في الاستطيقا نفسها عام ١٩٥٦م ويعلق إبراهيم على موقف أستاذه  قائلا: “لم يعد في وسعنا -نحن تلاميذه- سوى أن نطبق الشفاه، دون أن نجسر على الكلام باسم الفن أو التحدث عن سيرة الفنان”(ص٤).
وبالرغم من أن الدافع للكتابة في سلسلة مشكلات فلسفية كان علميا، أو ثقافيا تربويا إن أردنا الدقة، إلا إنه لم يكن كذلك بنحو خالص في حالة الكتابة في الفن، فقد أفصح زكريا إبراهيم عن دوافعه الوجدانية التي بلغت حدا لم يستطع معه أن يستمر في الصمت الذي فرضه احترامه للدرس العميق الذي تعلمه من  أستاذه بايبر في الصبر والجلد والانكباب على الدراسة، فيقول:
“لكن العاشق قلما يقوى على كتمان حبه إلي الأبد، وعاشق الفن أعجز العشاق جميعا عن الصمت وأشدهم ضيقا بالكتمان! وهكذا كان لابد لكاتب هذه السطور من أن يتكلم، وإن كان يعلم حق العلم أنه ليس في وسع من كان في مثل عيه سوى أن يقترب من محراب الفن خاشعا، مرتجفا، معفرا جبهته تحت أقدام ربات الشعر Muses  ! وليس يشفع لمثلي حين يقدم على الكتابة في الفن، سوى عشقه للألوان والأنغام والأضواء والصور!”(الموضع نفسه).
وهنا يثور التساؤل عما إذا كان عشق الفن وحده يكفي لتقديم نظرية أو رؤية متكاملة في الفن؟!
لاشك أن زكريا إبراهيم لم يقدم على الدخول الى محراب الفن دون عدة علمية ومنهجية عدا عشقه للفن، فقد استعان بترسانة ضخمة من المراجع العربية والأجنبية، ووضع لنفسه هدفا واضحا ومنهجا محددا لتحقيق هذا الهدف، وفي هذا المعنى يقول:
“ستكون كل مهمتنا في هذه الدراسة الفلسفية للفن، أن نصف “الموضوع الاستطيقي” على نحو فينومينولوجي، وأن نحلل بناء العمل الفني، وأن نتعمق الدلالة الإنسانية للفن، وأن نحاول الوقوف على طبيعة الصلات بين الفنان والجمهور أولا، ثم بين الفنان وعمله الفني ثانيا”(ص٥).

نقطة البداية: المادة (الموضوع الجمالي)
الحقيقة أن نقطة انطلاق زكريا إبراهيم هي فهمه الخاص للفن، ذلك الفهم الذي يستبعد الجمال المطلق، ويرى الفن في تحقق الجمال في المحسوس حين يتبدى في كل عمقه وبهائه ومجده وأوج عظمته. كما يستبعد الخيال المطلق الذي لا تربطه أي صلة بالمحسوس. وبهذا المعنى، تنحصر مهمة الفنان في عملية تحويل المحسوس الخام إلى محسوس استطيقي، فالفن هو الذي يكشف عن المادة في تألقها الخاص الذي يجعلها مكتفية بذاتها، بحيث ينشدها الإنسان لذاتها، ودون غرض خارج عنها، خلافا للموضوعات النفعية التي ينشدها الإنسان طلبا لمنفعة خاصة.
والفن هو الذي يحقق للمادة الخلود، عن طريق هذا الاتحاد العجيب بين المادة والصورة، بل إن زكريا إبراهيم يجعل من هذا الاتحاد الإشكالية الكبرى للفن عندما يقول:
“ربما كانت المشكلة الكبرى في الفن هي هذا الاتحاد العجيب الذي يتم بين المادة والصورة، بين الشكل والموضوع ، بين الموجود في ذاته والموجود لذاته” (الموضع نفسه).
والعلاقة الإشكالية التي يشير إليها إبراهيم يمكن أن تُفهم، في التحليل الأخير، بوصفها علاقة بين الفن والإنسان، وربما كانت هذه النقطة الأنسب إذا ما أردنا أن نطبق قراءتنا الاتجاهية المقترحة. فبالرغم من أولية الاستطيقي عند إبراهيم، وتأكيده في أكثر من موضع علي أن الموضوع الجمالي ليس موضوعا ميتافيزيقيا أو طبيعيا أو اجتماعيا، ولكنه أولا وبالذات موضوعا استطيقيا، نقول بالرغم من ذلك، فإنه يتجه إلى الإنسان وينحاز إلى كل ما هو إنساني، يتضح ذلك من تركيزه على الفنان كعنصر أساسي في العملية الإبداعية، وحرصه على إبراز حقيقة العلاقة التي بين الفنان والجمهور وتلك التي بين الفنان والعمل الفني، بل إنه يجعل من العمل الفني انعكاسا للبعد الإنساني الواقعي عندما يقول:
“الموضوع الاستطيقي بهذا المعنى إنما هو ذلك الموضوع المحسوس الذي لا تبقى مادته إلا إذا ظل محتفظا بصورته، وهذه الوحدة الباطنة في أعماق “الموضوع الاستطيقي” بين المادة والصورة، هي التي تجعل من “العمل الفني” أقوى تعبير عن البعد الإنساني من أبعاد الواقع”(نفسه).

من المادة إلى الإنسان:
ومن هنا يمكننا أن نفهم النزوع الإنساني لدى زكريا إبراهيم بوصفه حركة من المادة إلى الإنسان، فالفن عنده هو جمال محسوس، والإبداع واحد من الأنشطة الإنسانية الأكثر تميزا، والأكثر تجسيدا وتعبيرا عن حياته داخل العالم. وعلاقة الإنسان بالموضوع الجمالي هي الأساس لكل قراءة تحاول أن تقترب من فلسفة الفن عند زكريا إبراهيم. ومن هذا المنطلق يمكن أن نقرأ كتاب “مشكلة الفن”. والكتاب ينقسم إلى ثمانية فصول، ويحمل العناوين التالية: مقدمة في تعريف الفن، العمل الفني بناؤه وعناصره، بين الطبيعة والفن، بين الصناعة والفن، الفن والمجتمع، مشكلة الإبداع الفني، الفن والحياة، التذوق الفني.
وبلغة زكريا إبراهيم، وبمنطق السلسلة التي ينتسب إليها الكتاب، يمكن النظر إلى هذه العناوين بوصفها إشكاليات تحتاج إلى حلول، أو على أقل تقدير تحتاج إلى تفسير، ومن خلال قراءتنا الاتجاهية التي تعتمد النزوع الإنساني اتجاها بارزا لمجمل آراء إبراهيم الواردة في الكتاب يمكن الوقوف على هذا التفسير.
وعن تعريف الفن يقول:
“غير أننا لا بد من أن ندخل في حسابنا عند تعريفنا للفن واقعة هامة أغفلها كثير من علماء الجمال، ألا وهي أن التجربة الاستطيقية لا تقتصر على الخلق والإبداع، وإنما هي تشمل التذوق والمشاركة الفنية. فليس الفن مجرد خلق لصور وإبداع لأشياء وإنما هو أيضا نشاط تتولد عنه منتجات تصلح لأن تكون بمثابة منبهات أو مؤثرات تثير لدينا بعض الاستجابات المرضية. فالعمل الفني هو (منبه) أو (مؤثر) يولد لدينا مجموعة من الأرجاع الجسمية والنفسية ويستثير بالضرورة انتباهنا وملاحظتنا”(ص٢٥).
ويتبدى من هذه الفقرة، بوضوح، البعد الإنساني في الفن الذي تمثل في متلقي العمل الفني لا مبدعه فحسب، وهنا ينبغي أن نلاحظ أن إبراهيم واعيا بأهمية المتلقي في عناصر العملية الفنية، وهو وعي جاء مبكرا جدا قبل ذيوع نظريات التلقي ومدارس القراءة والتأويل في السنوات التي تلت كتابة هذا الكتاب، وإن كان يقف، فيما يبدو عند حدود التذوق، الذي يرتبط، في الغالب، بالتلقي السلبي، فذكريا يميل أكثر في طرحه لعملية التلقي تجاه التفسير النفسي مستخدما مصطلحاته التقليدية، المثير والاستجابة، من أجل إيضاح أهمية التلقي في مقابل الأهمية التي يوليها المنظّرون، عادة، لعملية الإبداع، لكنه لا يصل في دعمه لدور المتلقي إلى الدرجة التي يوازى فيها المبدع بنحو ما توصلت مدارس القراءة مؤخرا، وإن أشار إلى المشاركة الفنية بجانب التذوق، وقوله بأننا ما كنا نسمي (العمل الفني) باسم (الموضوع الاستطيقي) إلا لأنه يثير اهتمامنا بوصفه موضوع انتباه وتأمل، إلا أنه لم يوضح لنا كيف يمكن ترجمة الانتباه والتأمل إلى مشاركة إيجابية، في العمل الفني ، بحيث تنطوي على قراءة تأويلية مبدعة.
لكن الذي يهمنا هو ذلك البعد الإنساني الذي يهيمن على تعريف زكريا للفن، والذي يتبدى عندما يقول:
“حقا إن بعض مناظر الطبيعة (كغروب الشمس أو تفتح الزهر) يمكن أن تصبح موضوعات استطيقية، ولكن “الفن” لا يشمل إلا صنائع الخلق البشري”(ص٢٦).

البعد الإنساني في عناصر البناء الفني:
وفي صدد الحديث عن عناصر البناء في العمل الفني يستند زكريا إبراهيم إلى التقسيم الذي قدمه بعض علماء الجمال إلى مادة وموضوع وتعبير، ومن خلال هذا التقسيم يمكننا أن نلحظ اتجاه الفكر الذي يبدأ بالمادة وينتهي بالإنسان، بل إننا يمكن أن نعثر على هذا الاتجاه في كل عنصر على حدة، وكأنه بنية ذرية كامنة في الأجزاء كما في الكل. فيقول عن عنصر المادة:
“إن لكل فن مادته، يستوي في ذلك أن تكون هي اللفظ أم الصوت أم الحركة أم الحجارة… إلخ. ولكن المادة الخام لا تكتسب صبغة فنية فتصبح مادة استطيقية، إلا بعد أن تكون يد قد امتدت إليها فخلقت منها “محسوسا جماليا”، نشعر حين نكون بإزائه أنه قد اكتسب ليونة وطواعية بفعل المهارة الفنية”(ص٢٧).
تكشف الفقرة السابقة عن البعد الإنساني الواضح في العمل الفني والدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه الإنسان الفنان في تحويل المادة الخام إلى قطعة جمالية محسوسة، فالإنسان هو الذي يخلع الجمال على المادة المجردة، التي لا تملك في الطبيعة سوى صلابتها وخصائصها الفيزيائية الخالية من المعنى. وإذا كان الفنان هو الذي يبث الروح في المادة فإنه إنما يفعل ذلك عندما يمضي في عمله في اتجاه معاكس لقوانين الطبيعة الصارمة، فليس بالضرورة أن يتفق الجمال وقوانين المادة التي يصوغها، بل على العكس ربما كان الخروج على هذه القوانين هو السلوك الأنسب لإرغام المادة على الإفصاح عن مكنونتها الجمالية، غير أن هذا الخروج لا يأتي اعتباطا، لكن وفقا لقوانين أخرى يفرضها الحس الجمالي لدى الفنان الذي يستطيع أن يحقق التوازن بين صرامة المادة وحرية الإبداع.
فلا يمكن، بأي حال من الأحوال، القضاء على المادة تماما أو محو خصائصها الفيزيائية من الوجود، ولكن هناك دائما تلك القدرة الإنسانية المبدعة لدى الفنان التي تمكّنه من تحقيق أهدافه الجمالية وفقا للطبيعة الخاصة لكل مادة على حدة، وهو في ذلك يقاوم صلابة المادة من ناحية، ويضفي عليها شيئا من المرونة من ناحية أخري، وفي هذا المعنى يقول زكريا إبراهيم:
“لابد للعمل الفني من أن يكون ثمرة لعملية منهجية خاصة، ألا وهي عملية تنظيم العناصر التي تتألف منها حركته، فإن هذه الحركة هي الكفيلة بأن تخلع عليه طابعا زمانيا يجعل منه موجودا تشيع فيه الروح”(ص٣١).
ويمكننا أن نلحظ الخط الإنساني نفسه مارا في العنصر الثاني من عناصر العمل الفني وهو الموضوع. فبالرغم من أهمية الموضوع الذي يعبّر عنه العمل الفني إلا أن هناك فنونا لا تمثيلية مثل الموسيقى لا تعبّر عن أي موضوع، بل إن الكثير من الفنانين المحدثين عمدوا إلى تقديم أعمال تحاكي الموسيقى في تجريدها من أجل إقامة الدليل على أن للفن لغته الخاصة التي لا تستند إلى أي موضوع يمكن محاكاته. وأن المعني الذي يمكن استخلاصه من هذه الأعمال هو التنظيم الجمالي لعناصرها فحسب، وما يمكنها أن تثيره في نفس المتلقي من مشاعر أو أفكار.
غير أن زكريا إبراهيم، يذهب إلى غير ذلك الرأي، اتساقا مع نزعته الإنسانية الواضحة، وميله الشديد إلى ربط الفن بالفنان، فالعمل الفني، في التحليل الأخر، هو عمل الإنسان، ويعبّر عن الإنسان من أجل الإنسان، لذلك يتجه زكريا من آن لآخر إلى علم النفس، كي يستمد منه الأساس النظري لكل ما يمكن أن يدعم اتجاهه الإنساني الملح، وهذه الكلمات تكشف لنا عن هذا المعنى:
“غير أن علماء النفس لن يجدوا أدنى صعوبة في أن يبينوا لنا أن اختيار الفنان لموضوعاته يكاد يكشف الموضوع والإبداع الفني. بدليل أن اختيار الفنان لموضوعاته يكاد يكشف لنا عن طبيعة شخصيته، حتى أننا قد نستطيع أن نتعرف على شخصية الفنان من أسلوبه في اختيار موضوعاته”(ص٣٤).
وإمعانا في إبراز تلك العلاقة العميقة التي بين الفنان وموضوع عمله الفني، يكشف لنا زكريا إبراهيم كيف أن اختيار الفنان لموضوعه لا يأتي اعتباطا، فاختيار رامبرانت للسيد المسيح موضوعا للكثير من لوحاته، واختيار بيكاسو لمدينة جرنيكا لعدد كبير من لوحاته لم يأت على سبيل المصادفة،  ولكن بعد تفاعل عقلي ووجداني خاص بين الفنان والموضوع، فيقول موضحا طبيعة هذه العلاقة:
“حينما يقع اختيار أحد الفنانين على موضوع من الموضوعات، فإن هذا الموضوع لابد من أن يكون حيويا في نظره. أعني أنه لابد من أن يثير في نفسه انفعالات ما أو عاطفة ما، وكأنما يقوم بين الفنان وموضوعه حوار يجيء العمل الفني فيسجل لنا طرفا منه”(الموضع نفسه).
وفي العنصر الثالث من العملية الإبداعية، وهو التعبير، يحدثنا زكريا إبراهيم عن أهمية المعني في الفن، فكل عمل فني ينبغي أن ينطوي على معني، غير أنه ليس معنى جزئيا، ينتمي إلي المعرفة العلمية أو النفسية، لكنه معنى كلي شامل يرتبط بالطبيعة الخاصة للفنون. فما يصل إلى المتلقي ليس معلومات العمل، أو عناصر الواقع المادية، لكن بالأحرى، الخبرة العميقة للفنان، الذي ينقلها إلى المتلقي بكل ثرائها وخصوبتها، من خلال قدرته الإبداعية على تحويل الواقع إلى فن، بل قدرته على إضاءة الواقع من خلال الفن. وهنا يبرز البعد الإنساني مرة أخرى، ويتبدى ذلك في عبارة زكريا إبراهيم:
“لكن الواقع الذي يكشف لنا عنه العمل الفني، إنما هو في صميمه (بعد إنساني) يبرز أمامنا تلك (الماهية الوجدانية) التي ينطوي عليها الواقع نفسه”(ص٤١).

الفنان بوصفه مبدعا لعالم إنساني:
والحقيقة أن المسافة التي يقطعها النشاط الفني، الذي يقوم به الفنان، من الواقع إلى الفن، من المادة إلى الإنسان إنما تتأسس على الطريقة أو الأسلوب الذي يستخدمه الفنان للتعبير عن موضوع فنه. فالأسلوب هو الذي يميز كل فنان عن الآخر، وهو الذي يحمل الروح الإنساني الذي يميز الفنون بعامة، ف ” حقيقية أي عمل فني لا تكمن فيما يروى لنا من وقائع، وإنما هي تكمن بالأحرى في (الطريقة) التي يروي لنا بها تلك الوقائع”(ص٤).
وأسلوب الفنان في التعبير هو، في التحليل الأخير، قدرته على خلق عالم خاص من المعاني يستند إلى الواقع ويتجاوزه في الوقت نفسه، فيقول زكريا:
“الحق أن الفنان إنما هو ذلك الإنسان الذي يشعر بأنه لا يمكن أن يكون للواقع (معنى)، ما لم ينتظم في نطاق (عالم) ما، وأن عليه إنما تقع مهمة اكتشاف ذلك (العالم) الذي لا يخرج عنه شيء، اللهم إلا غبار الوقائع الداكن الأسود! فالفنان هو ذلك الخالق الذي ينظم العالم عن طريق مجموعة من الوسائط الاستطيقية، وفي مقدمتها جميعا واسطة التعبير”( ص٤١).
وعلى أساس من قدرة الفنان على أن يخلق عالما ما، مستقلا عن الواقع، يعمل زكريا إبراهيم على تجاوز الخلاف النظري الذي دار بين أنصار نظرية المحاكاة في الفن والفلاسفة المعاصرين الذين لا يرون في الفن محض نسخ للواقع، ومن أجل تحقيق هذا الهدف ،فإنه يستمد العون النظري من نظرية أندريه مالرو، صاحب كتاب “محاولات في سيكولوجية الفن”، الذي يعتبره أروع كتاب ظهر في تحليل الفن وبيان دلالته الإنسانية حتي تاريخ كتابة “مشكلة الفن”.
وفي هذا السياق، يبرر زكريا احتفاءه بنظرية مالرو، لتأكيدها على النزعة الإنسانية في الفن، فيقول:
“وإذا كنا سنتوقف طويلا عند نظرية مالرو في الفن، فما ذلك لأن هذه النظرية قد غالت في الحملة على استطيقا المحاكاة لدرجة استبعدت من الفن كل نزعة تعبيرية موضوعية فحسب، بل لأنها  أيضا قد حاولت أن تؤكد النزعة الإنسانية في الفن، فذهبت إلى القول بأن الفن هو إبداع لقيم إنسانية يحقق الفنان بمقتضاها عالما غريبا عن الواقع، دون أن يكترث في شيء بالحقيقة الموضوعية أو الوجود الخارجي”(ص٥٣).
والحقيقة أن الخط الإنساني عند زكريا إبراهيم يمضي في الطريق نفسه بقوة، حتى أنه يعارض الطبيعة نفسها والقدر المهيمن عليها، باعتبارها عالم لا إنساني، عالم يقصي الإنسان، ويمارس حضوره الطاغي. فثمة صراع بين الإنسان والطبيعة، وبين الفن والدين. ويأتي انحياز زكريا للإنسان ضد الطبيعة وضد القدر على أساس من مقولة مالرو “إن الفن انتقالا من عالم القضاء والقدر إلى عالم الشعور والوعي”، لكنه يذهب إلي شوط أبعد عندما يرى في هذا الانتقال نوعا من النصر الذي يحرزه الإنسان في مواجهة القدر، ليس هذا فحسب، بل إنه يرى أن وراء كل تحفة فنية قدر مهزوم ومغلوب على أمره، فيقول:
“والواقع أنه ما دام كل فن لابد أن ينطوي على ضرب من التنظيم، فقد يكون في وسعنا أن نقول إن في الفن انتصار على القدر. مادام شأن العمل الفني أن يحيل أمر الأشياء إلى الإنسان، فيفقد العالم بذلك ما له من استقلال ذاتي. وسواء نظرنا إلى لوحات رمبرانت أم أشعار شكسبير، فإنه لابد من أن يستولي علينا الشعور بأن الأشياء قد أصبحت تحت إمرة عالم بشري خاص، وكأنما هي قد اندرجت في كون إنساني ما، سواء أكان هذا الإنسان هو رمبرانت أم شكسبير”(ص٦١).

الإنسان الصانع (الحضاري):
وفي سياق الحديث عن التمييز بين الفن والصناعة، أو الموضوع الجمالي والموضوع الاستعمالي، يستهل زكريا إبراهيم فكرته بالتأكيد على البعد الإنساني في كلا المجالين، الصناعي والفني، وإذا كان قد فرغ، في مباحث أخرى، من التأكيد على البعد الإنساني في الفن، فإنه يؤكد هنا على أن الإنسان حيوان صانع، لأنه يخترع الآلات.  ولا يخفي أن أهم ما يميز الموضوع الاستعمالي أنه موضوع نفعي يحمل آثار غائية بشرية، لأن اليد التي صنعته إنما كانت تهدف إلى تحقيق وظيفة معينة. وبالرغم من أن الموضوع الاستعمالي قد يكون له أبعاد اجتماعية وحضارية، لكنه لا يحمل أي صبغة تعبيرية تجعله يخاطب فينا الشعور أو العاطفة مثل العمل الفني.
والمفارقة أن زكريا إبراهيم بعد تأكيده على البعد الإنساني في كلا النشاطين، الفني والصناعي، يعود للتمييز بينهما على أساس من البعد الإنساني نفسه، من خلال التأكيد على مستوي أعلى من الإنسانية تتحقق في الفن ولا نجدها في الصناعة، فيقول:
“الصانع -في حالة الموضوع النفعي- هو أقرب ما يكون إلى أداة مجردة أمكن عن طريقها أن تتحقق فكرة في موضوع يظل هو الآخر مجردا، في حين أن الصانع -في حالة الموضوع الجمالي- هو أشبه ما يكون بحضرة حية تظل ماثلة في صميم العمل الفني، فتسمح لجمهور النظارة في كل زمان ومكان بأن يشارك في عالمه الإنساني الخاص”(ص٧٠).
وعلى نفس اللحن الإنساني يقدم زكريا إبراهيم تنويعات أخري للتمييز بين الموضوع الفني والموضوع النفعي، وتأتي هذه المرة من جانب اللغة، حيث يميز بين اللغة النفعية واللغة الفنية، فالأولى عملية لا تنطوي على أي دلالة تجاوز الوظيفة التي صُنع من أجلها الموضوع النفعي، بينما تمتاز اللغة الفنية بصيغتها التعبيرية الموحية، التي تستمد روحها من العالم الخاص للفنان. فالأولى تبدأ إنسانية، لكن ما تلبث أن تكف عن أن تكون كذلك بمجرد أن ينفصل عنها صانعها، بينما تبدأ الأخرى إنسانية وتستمر إنسانية حتي النهاية، لأنها تظل محتفظة بالطابع الخاص للفنان مهما بعدت المسافة بين الفنان وفنه، وفي هذا المعنى يقول:
“إذا ما عدنا الآن إلى المقارنة بين الموضوع النفعي والموضوع الفني من حيث اللغة التي يخاطبنا بها كل منهما، وجدنا أن لغة الأول منهما لا تحمل أية دلالة شخصية، في حين أن لغة الثاني منهما لغة شخصية تحدثنا عن صاحبه. حقا إن الموضوع النفعي هو صنيعة الإنسان، فضلا عن أنه مجعول أيضا للإنسان، ولكنه لا يحدثني مطلقا عن ذلك الشخص الذي صنعه، بل هو إنما يحدثني عن التصرف الذي لابد لي أن أحققه حتى يكون في وسعي أن أستخدمه”(ص٧٢).
والحقيقة أن غياب الإنسان الصانع عن لغة الموضوع النفعي، وحضوره في لغة الموضوع الفني، تجعل المتلقي (المستهلك) يتعامل بنحو تكتيكي مع الأول بحيث لا تقوم علاقة إنسانية عدا علاقة الإنسان بالمادة (الآلة)، وهي علاقة لا نقول عقيمة، لكن غير حقيقية، لأنها بين طرفين غير متجانسين أحدهما حي والآخر جامد.  وخلافا لهذا تأتي لغة الفن التي تعد معبرا جيدا بين المتلقي والفنان، أي بين الإنسان والإنسان، وهنا يمكننا أن ندرك المدى البعيد الذي يتحرك فيه زكريا إبراهيم تجاه كل ما هو إنساني، فالإنسان عنده حاضر بقوة في العمل الفني وفي الفنان وفي المتلقي، ويمكننا أن نلمح عمق هذه الأبعاد عندما نقرأ الفقرة التالية:
“إن الموضوع الصناعي إنما يضعنا منذ البداية في عالم إنساني يتطلب منا دائما سلوكا تكتيكيا خاصا، دون أن يدعنا نشارك صاحبه مشاركة إنسانية فعالة، نجد أن الموضوع الجمالي إنما يضعنا منذ البداية في عالم الأنا والأنت، دون أن يقيم أي تعارض بيني وبين الآخر، لأنه ليس من شأن الآخر أن يستلبني عالمي الخاص. بل إن من شأنه -على العكس- أن يفتح أمامي عالمه الخاص. وهنا تتم المشاركة بيني وبين الفنان، لا على سبيل القهر أو الضغط أو الإلزام، بل عن طريق تلك اللغة النوعية الخاصة التي يحدثني بها العمل الفني”(ص٧٥).

الانسان الاجتماعي:
هذا، ويتعرض الخط الإنساني لدى زكريا إبراهيم لشيء من التوتر حين معالجته لإشكالية العلاقة بين الفن والمجتمع. فالفنان إنسان، والإنسان اجتماعي بطبعه، فإلى أي مدى يمكن اعتبار الفن ظاهرة اجتماعية؟ يسعى إبراهيم نحو الإجابة عن هذا التساؤل بروح موضوعية، بحيث يعرض للآراء المؤيدة وتلك المعارضة في الوقت نفسه، وفي كل الأحوال يعترف بالدور الاجتماعي للفن من ناحية، وبعبقرية الفنان من ناحية أخرى. فهي محاولة للجمع بين الإنسان الفردي والإنسان الاجتماعي. وفي صدد الحديث عن فردية الفنان يقول:
“إنه ليس في وسعنا أن نقتصر على القول بأن الفردية الفنية هي مجرد نتاج لا شخصي للبيئة. أليس ما يجعل الفنان الملهم أو العبقري فنانا بمعنى الكلمة إنما هو شخصيته المستقلة وأصالته الذاتية، وتميزه عن أفراد القطيع؟ … إن الفنان لا يكون صاحب شخصية في فنه إلا إذا بدا مختلفا عن عامة الناس، متمايزا عن غيره من الفنانين، صاحب جدة وأصالة وطرافة”(ص١٠٠).
وكما للفنان، بفضل عبقريته، تميزه عن البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، فإن للعمل الفني الشيء نفسه. والمفارقة أن زكريا إبراهيم الذي أسس فردية الفنان على عبقريته، يؤسس لأصالة العمل الفني من خلال إنسانيته. فالمجتمع الذي هو مجموعة من الذوات الإنسانية يتحول، من خلال عاداته وتقاليده إلي مجموعة من القيم التي تؤثر في الفنان، الذي ينقل هذا التأثير، بدوره إلى العمل الفني، بمعني أن هذا الأخير إنما يأتي نتاجا للظروف الاجتماعية التي أفرزته، غير أن العمل الفني لا يظل أسيرا للظروف التي أنتجته بحيث يصير جزءا من التطور الاجتماعي، كما ذهب بعض علماء الاجتماع، لكنه ينجح في الإفلات من هذا القيد، ويتجاوز مجتمعه بفضل السمات الإنسانية الكامنة فيه، فيقول زكريا:
“إذا كنا لا زلنا نشعر بإعجاب شديد عند قراءتنا للإلياذة أو مشاهدتنا لإحدى الكاتدرائيات القوطية، فما ذلك إلا لأن في العمل الفني شيئا إنسانيا يفلت من طائلة شتى الظروف الاجتماعية أو الملابسات التاريخية التي أحاطت بنشأته”(ص١٠).
ولا ينكر زكريا التأثير الاجتماعي بنحو تام، لكنه، يعمل على حل معضلة العلاقة بين الفنان ذي الطبيعة الخاصة التي تأبى الخضوع لأي سلطة وتنحو إلى التحرر، وبين المجتمع الذي يأبى إلا أن يفرض سطوته على الأفراد المنتمين إليه. وفي هذا السياق، يلجأ زكريا إلى شارل لالو، الذي يرى أن تأثير المجتمع على الفن لا يكون مباشرا، لكن من خلال وسط اجتماعي متخصص، ويقصد به مجتمع الفنانين، فيقول:
“الواقع أن الفنان ليس مخلوقا أصيلا كل الأصالة، وكأنما هو موجود إلهي قد هبط من السماء، بل هو مخلوق أرضي يعيش في بيئة جمالية ذات صبغة اجتماعية خاصة، ويستجيب لطائفة من المنبهات الفنية المعينة، ويتأثر بمجموعة من التيارات الجمالية السائدة، بحيث إنه لو تغيرت بيئته الاجتماعية لترتب على هذا التغير بالضرورة انقلاب هائل في نوع إنتاجه الفني”(ص١٢١).

الإنسان الأخلاقي:
وينتقل التوتر نفسه في الخط الإنساني، الذي حدث في علاقة الفنان بالمجتمع، إلى علاقة الفن بالحياة، ولا يتخلى زكريا إبراهيم هنا عن منهجه الموضوعي المتوازن، الذي يحرص فيه على أن يضع الفنان، بوصفه إنسانا مبدعا، في المكانة اللائقة به في عملية الإبداع دون أن يغفل الطبيعة المستقلة للعمل الفني في الوقت نفسه، فنجده يقول في هذا المعنى:
“العمل الفني هو بمعنى من المعاني حقيقة مستقلة قائمة بذاتها، وكأنما هو موجود روحي له كيانه  الخاص المستقل عن شخص صاحبه، ولكنه من جهة أخرى هو الفنان نفسه، بوصفه صادرا عن إرادة الفنان التي عملت على تكوينه”(ص١٧٤).
ولا يرى زكريا تعارضا بين طرفي هذه العلاقة المزدوجة، التي هي استمرار واتصال من جهة وتباين وأصالة من جهة أخرى، لأن الفنان حين يضع نفسه بأكملها في صميم فعله الإبداع، فيكون عندئذ في وسع عمله الفني أن ينفصل عنه، لكي يقوم بذاته ويتمتع بوجود مستقل. غير أن كفة الفنان، ومن ثم الإنسان، تعود للرجحان، عندما يشبه العملية الإبداعية بالولادة الروحية، ويمنح الفنان خصيصة الأبوة الروحية، التي تعني أولية أو أسبقية الفنان على العمل، فنقرأ:
“حينما تتحقق تلك الهوية بين الفنان وعمله الفني، فإنها تكون بمثابة العلاقة التي تؤذن بحدوث “ولادة روحية”، وعندئذ يجئ الموضوع الجمالي فيكون بمثابة مظهر حقيقي لتلك الأبوة الروحية التي تتجلى في صورة موضوعية خارجية”(الموضع نفسه).
وتثير علاقة الفن بالحياة علاقة الفن بالأخلاق، ويرى زكريا إبراهيم، خلافا لتولستوي، أن الفن له استقلاليته الخاصة، وله عالمه المميز، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون خادما للأخلاق. غير أنه لا ينكر وجود علاقة بين الفن والأخلاق بإطلاق كما ذهب بودلير الذي كان يعلي من شأن الجمال على حساب الأخلاق، ولم يكن زكريا، تبعا لذلك، من حملة شعار “الفن للفن”، لكن على العكس كان يعترف للفن بدور أخلاقي وتربوي دون أن يسلبه ميزة الاستقلال بذاته كعالم له كيان خاص.
وما يهمنا في هذا السياق هو الأساس الإنساني الذي أقام عليه رأيه، فالدور الأخلاقي الذي يمكن للفن أن يلعبه في الحياة لا يمكن أن يتحقق دون المرور بالبعد الإنساني، فيقول مستندا إلى برنشفيك:
“لا شك أن هذا الإشعاع الروحي الذي يتحقق عن طريق الأعمال الفنية إنما هو مدرسة أخلاقية كبرى نتعلم فيها التعاطف والتناغم والمشاركة الوجدانية، بحيث قد يصح لنا أن نقول إن الفن هو أعمق مظاهر النشاط البشري جميعا تعبيرا عن الاتصال، وأشدها إثرة للانفعال، وأكثرها تأكيدا لاستمرار التاريخ وتعاقب الأجيال”(ص ص١٨٠-١٨١).

نقطة النهاية: الإنسان الاستطيقي (الكلي):
في الفصل الأخير الذي خصصه زكريا إبراهيم للتذوق الفني نجد تركيزا أكثر على العمل الفني بالرغم من ارتباط فعل التذوق بالذات الإنسانية، وهنا يبدو أن ثمة تحول من الخط الإنساني إلى الخط المادي، أو من الاتجاه الذاتي إلى الاتجاه الموضوعي. فإبراهيم ينسب للعمل الفني الدور الأكبر في عملية التذوق، لما له من بنية خاصة وعالم مستقل يملك من خصائص السحر ما يمكّنه من التأثير في المتلقي.
وبهذا المعني، يرفض مفكرنا الآراء التي تفسر عملية التذوق على أساس سيكولوجي مثل فكرة “التقمص الوجداني”، بالرغم من أنها تمنح الذات قدرا متساويا مع الموضوع في عملية التذوق، لأن الذات تتحد، بل وتتماهى مع الموضوع الجمالي، لكن إبراهيم يحتج قائلا:
“وهكذا يتبين لنا أن نظرية باش في التقمص الوجداني لا تنطوي على وصف صادق لعملية التذوق الفني، لأنها توجه كل اهتمامها إلى مشاعر الذات، دون أن تتوقف عند العمل الفني نفسه، بوصفه ذلك الموضوع الذي يعرض نفسه على إدراكي الجمالي، حتى يكتسب حق المواطن في العالم الحضاري الذي نعيش فيه”(ص١٩٠).
والعمل الفني بهذه المثابة هو الذي يدير عملية التذوق، لأنه هو الذي يهيمن على الذات وليس العكس، فهو الذي يمنح نفسه، بكامل ثرائها، إلى المتلقي، وهو الذي يدفع المتلقي لأن يكون منفتحا على العمل، بل لا نبالغ إذا قلنا، وفقا لرأي زكريا إبراهيم، إنه هو الذي يعلمنا فن التذوق، ويمكننا أن نعثر على ما يؤيد هذا المعنى في أكثر من موضع، منها هذه الفقرة:
“وهكذا نجد أن من شأن العمل الفني أن يولد لدينا ملكة الذوق، بأن يعود إدراكنا الجمالي على أن يكون عيانا خالصا، وتفتحا حرا أمام الموضوع، دون التأثر بميول جزئية خاصة أو دوافع ذاتية محددة. ومن هنا فإن العمل الفني هو في صميمه “مدرسة انتباه” تربي فينا ملكة الفهم، وترقب ما لدينا من مقدرة على النفاذ إلى عالم الفن”(ص١٩٣).
والملاحظ أن زكريا ما يلبث أن يبتعد عن الخط الإنساني حتي يعود إليه باعتباره اللحن الأساسي، الذي يقوم بالتنويع عليه، لكن المفارقة أنه يبني نزعته الإنسانية هنا على أساس من الموضوع (الجمالي) الذي سبق له وأن ضحى بالذاتية الإنسانية من أجله. فالعمل الفني هو الذي يقضي على الأفق الضيق للذات بأن يحيل ما هو فردي وجزئي فيها إلى كيان كلي يمكنه أن ينفتح على الإنسانية جمعاء، بل إن الإنسانية نفسها تجد تحققها فيه!
وفي هذا السياق نقرأ:
“حينما تستحيل ذاتية المتأمل إلى نظر خالص أو عيان محض، فهنالك قد يكون في وسعه أن ينفذ إلى ذلك العالم الإنساني الذي يفتحه أمامه العمل الفني. فالذوق هو الوسيلة التي تسمو بالتأمل إلى المستوى الجمالي الذي يستطيع عنده أن يدرك العنصر الكلي فيما هو بشري”(ص١٩٧).
والحقيقة أن هذه الخطوات المتسارعة تجاه كل ما هو إنساني كان لا بد لها أن تنتهي إلى ما هو أبعد من الإنسان العادي، فمفكرنا يعول على الفن تعويلا كبير في الترقي الإنساني والتطور الاجتماعي والحضاري، فبالرغم من وعيه بحقيقة الأبعاد الفنية والجمالية التي تكتنف الأعمال الفنية، إلا أنه، وبوحي من الخط الإنساني الذي سار عليه، كان حريصا على ألا يقع في شرك التجريد والمبالغة النظرية في طرح أفكاره حول الفن وإشكالياته. والنتيجة أنه استطاع، في نهاية المطاف، أن يصوغ مصطلحا مبتكرا من شأنه أن يختزل كل المعاني الإنسانية والاجتماعية والحضارية في معني واحد، ألا وهو “الإنسان الكلي”، فيقول:
“إن الإنسان حين يوجد إزاء عمل فني أصيل، فإنه لا بد من أن يعلو على فرديته، لكي يصبح أهلا للارتقاء بنفسه إلى مستوى “الإنسان الكلي” ولو شئنا أن نستعير من ماركس فكرته عن الرجل “البروليتاري” الذي قد تحرر من شتى الروابط الاستعبادية والآراء المسبقة، لكان في وسعنا أن نقول إن الرجل ” الاستطيقي” هو بالمثل إنسان حر قد خلص نفسه من شتى العلاقات الجزئية والروابط الخاصة، فلم تعد في نفسه سوى تلك الروح الإنسانية الخالصة التي تسمح له بأن يتصل بمن عداه من البشر اتصالا مباشرا”(ص٢٠١).
ويمكننا أن نفهم استدعاء مفهوم الرجل البروليتاري على أنه إشارة قوية إلى الرجل العادي الواقع تحت قيود الحاجة، والذي لا يملك حسا جماليا نتيجة انصرافه عن متابعة الفنون، وأن الفن يمكنه أن يكون وسيلته للتحرر من قيوده، ومن ثم صيرورته إنسانا استطيقيا، أي إنسانا كليا، تتحقق فيه المعاني العليا للإنسان، والإنسان الكلي هو، بدوره، إنسان واع، ويملك مقومات الحياة الاجتماعية التي تجد تحققها في فكرة الجمهور، فالتأمل هو في صميمه فعل اجتماعي، على حد تعبير زكريا إبراهيم، لأن الموضوع الجمالي يعد بمثابة نقطة تلاق يتجمع عندها الأفراد في مستوى لا ترقى إليه الأهواء والمنافع، ما من شأنه أن يحقق ضربا من التماسك والتضامن دون أن يتخلى كل واحد منهم عن فرديته.
وإذا كان الإنسان الكلي هو أساس الحياة الاجتماعية، فإن الحياة الاجتماعية هي أساس التطور الحضاري، وفي هذا السياق، يؤكد زكريا مرارا على أن البعد الإنساني، الفني، هو الذي يدعم المجتمع ويصنع الحضارة، فيقول:
“ليست علاقة الموضوع الجمالي بالجمال هي التي جعلت منه عاملا قويا من عوامل الحضارة، كما وقع في ظن الكثيرين، وإنما الذي جعل منه قوة فعالة في صميم الحياة الاجتماعية هو كونه شيئا إنسانيا قد انبثق من أحضان الموجود البشري نفسه. وإذن فليس تاريخ الفن سوى تاريخ تحرر الإنسان، وليس الفن سوى انتقال من دائرة القدر والمصير إلى دائرة الوعي والحرية “(ص٢٠٢).
وليس الحرية فحسب هي ما كان يصبو إليه الإنسان، ولكن الخلود أيضا. فمفكرنا يمضي في خط الترقي الإنساني إلي ما بعد حياة الإنسان، فبعد الاجتماع والحضارة يتجه إلى التاريخ، الذي ينبغي أن يكون شاهدا على عبقرية الإنسان ومحاولاته الدائمة لتحقيق الخلود. إن التاريخ، بهذا المعنى، سجل حافل لإبداعات الإنسان، ولصراعة مع الطبيعة، وقدرته على النضال وفرض سيطرته على أدواته، اللازمة لتحقيق وجوده، وتحقيق معني لهذا الوجود. وفي هذه الملحمة الكبرى لابد أن يكون الفنان هو البطل الأسطوري، الذي يملك المقدرة على تحقيق الحلم، حلم البسطاء، أو حلم العباقرة بحياة أفضل، فنقرأ في السطور الأخيرة من الفصل الأخير:
“وهكذا نعود فنقول إن متحف الفن البشري، على اختلاف أنواعه وتعدد صوره، إنما هو ثمرة لمشاركة فنية متصلة حققها الجنس البشري على مر الأجيال، فأثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك أنه هيهات لأعاصير الفناء أن تذهب بما سجلته اليد البشرية، وما اهتزت له النفس البشرية، وما نطق به الفنان حين أراد أن يخلد أحلام الناس!”(الموضع نفسه).

خاتمة:
لم يقدم زكريا إبراهيم، إذن، نظرية في الفن، لكن رؤية فنية حضارية تحتفي بالإنسان. وعلى ذلك لا يمكنك أن تقف منه موقف الناقد المدقق، بحيث تتفق معه أو تختلف معه، لكن بالأحرى عليك أن تكون قارئا جماليا، أو إنسانا استطيقا (وفق تعبيره)، بحيث تتواصل مع الخط الإنساني الواضح الذي كان يحدد مسار الكتاب، حتى تشعر أنه يخاطبك أنت بنحو خاص، لأنه، في صميمه، يخاطب روح الإنسان فيك.
وقد كان مسالما، محبا للفن ولفلاسفة الجمال، فلم يكن حادا في مداخلاته، وإنما كان ليّنا طيّعا، يصل إلى أهدافه دون صخب، لأنه كان قادرا على أن يستوعب الآخرين، ثم يعيد إنتاج أفكارهم وفقا لميول ذاتية كشف عنها تحليلنا للكتاب.
حاولنا أن نطبق آلية في القراءة أطلقنا عليها “القراءة الخطية” أو “القراءة الاتجاهية”، لأننا رأيناها الأنسب في مقاربة هذا اللون من الكتابة. والقراءة الخطية، وفقا لرؤيتنا، ينبغي أن يكون لها نقطة بداية ونقطة نهاية، والبداية عند زكريا إبراهيم كانت المادة المحسوسة أو الموضوع الجمالي، والنهاية كانت الإنسان الكلي أو الاستطيقي. كما ينبغي أن تكون هناك نقاط ارتكاز، عبارة عن ألفاظ محددة تتكرر عبر الخط موضوع القراءة، وكانت الألفاظ الارتكازية عند إبراهيم، هي الحرية، الإنسان، المجتمع، الحضارة. والقراءة الخطية ليست مجرد قراءة تُعنى برصد فكرة محورية في النص، لكنها تهتم أكثر بمسار الفكرة وتطورها بحيث تكون علامة أو دلالة ظاهرة لميل خفي لدى المؤلف، وهو ميل ذاتي قد يكون واعيا أو غير واع.
والميل الذي كان يسم فكر زكريا إبراهيم هو الاحتفاء بكل ما هو إنساني، والرغبة في أن تكون لكتابته بعدا تربويا تنويريا، فاللغة التي كان يستخدمها تصلح لأن تخاطب المتخصص وغير المتخصص، والأفكار التي كان يناقشها كانت أفكارا إنسانية، في المقام الأول، تصلح لأن تُناقش في أي ثقافة، عربية أو غربية، لكنه، في الحقيقة، كان يضعها أمام القارئ العربي كقضايا تخص الأنا باعتبار أن الأنا جزء من الإنسانية التي يشترك فيها الآخر، وربما كانت هذه دعوة خفية للسلم، والتصالح مع الأنا ومع الآخر.
وفي كل الأحوال يظل زكريا إبراهيم علامة مضيئة في سجل الثقافة العربية، وتظل أعماله مشاعل للنور، تنير الطريق للأجيال المتتالية من أجل مزيد من الوعي بقيم الحق والخير والجمال. 












أضف تعليق