د. ماهر عبد المحسن
تجربة محمود درويش الشعرية تجربة ثرية، لأنها ذات طابع خاص، خرجت من رحم المعاناة مختلطة بالعرق والبارود والدم. وهي بهذا المعنى مناسبة لإعادة النظر في الثوابت التي نشأنا عليها والقيم التي تربينا عليها. ففرق بين أن تتلقى القيمة من مثل أعلى “السلطة الأبوية في البيت أو المقررات الدراسية في المدرسة”، وبين أن تستخلصها من التجربة ومن الممارسة اليومية العملية الناجمة عن الانخراط في أتون الحياة.
لهذه الأسباب اخترنا شعر محمود درويش موضوعاً لتطبيق نوع من القراءة الفينومينولوجية، تستفيد من الدرس الباشلارى الذي علمنا كيف يمكن أن ننصت إلى صوت الشعر، وكيف يمكننا أن نرصد – من خلال أصداء هذا الصوت – ظواهر الوجود كما تبدت في خيال الشاعر.
وفي السطور التالية سنحاول أن نقدم قراءة خاصة لديوان “أثر الفراشة” لمحمود دروبش، في محاولة لتتبع ورصد مفاهيم “الموت” و”الحياة” و”الهوية” لدى درويش في هذا الديوان، نظراً لحضورهم القوي في أشعاره من ناحية، ولخصوصية التجربة الشعرية من ناحية أخرى. والقارئ لهذا الديوان لن يجد صعوبة في إدراك أن مفاهيم “الموت” و”الحياة” و”الهوية” هي اللحن المميز لمعظم أشعاره، وأن الأشعار الأخرى تنويعات على هذا اللحن.
ديوان “أثر الفراشة” عبارة عن صفحات مختارة من يوميات كُتبت بين صيف 2006 وصيف 2007. وبهذا المعنى فإننا سنتعرض لبعض القصائد وبعض الكتابات النثرية التي سنطلق عليها تدوينات حتى يمكننا أن نميز بينها وبين النصوص الشعرية، وهي تدوينات – رغم نثريتها- لا تخلو من روح الشعر.
في تدوينة “البيت قتيلاً” يحدثنا درويش عن نوع خاص من الموت يختلف عن موت الإنسان، إنه موت الأشياء “بدقيقة واحدة، تنتهي حياة بيت كاملة. البيت قتيلاً هو أيضاً قتل جماعي حتى لو خلا من سكانه”. ففي موت البيت بتر للأشياء عن علاقاتها وعن المشاعر الإنسانية التي ترتبط بها، والأشياء تتوجع كما يتوجع الكائن الحي. إن كينونة الأشياء تكمن في الذكرى، في تاريخها الخاص الذي عاشته مع أصحابها من ساكني البيوت التي أغتيلت. الوجود يكمن في ذكرى أصابع أو ذكرى رائحة أو ذكرى صورة، إنه وجود من أجل الإنسان، ولأنه كذلك فهو يموت مع الإنسان كالإنسان “كل هذه الأشياء ذاكرة الناس التي أفرغت من الأشياء، وذاكرة الأشياء التي أفرغت من الناس.. تنتهي بدقيقة واحدة. أشياؤنا تموت مثلنا. ولكنها لا تدفن معنا”().
وكما يحاصر الموت البيوت من الداخل فإنه يحاصرها من الخارج، فلا ملجأ من الموت إلا إليه، فيموت الإنسان وتموت الأشياء والذكريات، لا يتبقى من حضور ومن حياة سوى حضور الأطلال وحياة الخراب. في قصيدة “البنت الصرخة” يستهل درويش القصيدة بمشهد بسيط ومعبر “على شاطئ البحر بنت. وللبنت أهل وللأهل بيت. وللبيت نافذتان وباب… وفي البحر بارجة تتسلى بصيد المشاة على شاطئ البحر”(). وفي نهاية القصيدة يختم المشهد قائلاً: “عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وباب!”(). وبين مشهدي البداية والنهاية يموت أهل البيت على الشاطئ، ولا ينجو سوى بنت صغيرة تصرخ في ليل برية بلا مجيب، لتتحول هويتها إلى محض صرخة أبدية في خبر عاجل لم يعد عاجلاً لحظة أن قتل البيت بعد مقتل الأهل.
وفي تدوينة “ذباب أخضر” نقرأ “المشهد هو هو. صيف وعرق، وخيال يعجز عن رؤية ما وراء الأفق. واليوم أفضل من الغد. لكن القتلى هم الذين يتجددون”(). فالموت هو الموت، والهوية في التكرار لا في الاختلاف. يولد البشر المحتلون في بلادهم ثم ما يلبثوا أن يحصدهم الموت دفعة واحدة، دون أي قيمة للعدد، يحصدهم في اليقظة وفي النوم، فيحصد الواقع والحلم، ومرة أخرى ليس ثمة حضور إلا لصدى الأصوات التي تتردد في البرية “لا أحد يطلب عوناً من أحد. أصوات تبحث عن كلمات في البرية، فيعود الصدى واضحاً جارحاً، لا أحد”().
ولا تتوقف المأساة عند هذا الحد، وإنما تصل إلى ذروتها عندما يتحول القتل إلى حق يطالب به القاتل، وفي المقابل تقنع الضحية بأن تكون موضوعاً للقتل ولا تدافع إلا عن حقها في الصراخ.
ولأن الهوية صراخ يضيع صداه في البرية، والمشهد الدامي العبثي يتكرر طويلاً إلى ما لا نهاية، فإن الحنين يضيع من النفس والشعور بالضجر واللاجدوى هو الذي يسود.
“لا أحن إلى أي شئ
فلا أمس يمضي، ولا الغد يأتي
ولا حاضري يتقدم أو يتراجع
لا شئ يحدث لي!”().
غياب الحنين يأتي من تجمد الزمن وتوقف الأحداث أو تكرارها على النحو الذي يتساوى بعدم الحدوث. وهذا الحنين المفتقد هو الذي يحيل الذات (الهوية) إلى محض أمنية لأن تكون ذاتاً أخرى أكثر حيوية وحميمية. غير أن الطابع المأساوي للحياة والوجود يجعل هذه الأمنية لا تتجاوز الرغبة في التماهي مع الحجارة باعتبارها موجودات أكثر حيوية من الإنسان.
“يا ليتني حجر
كي أحن إلى أي شئ”().
الموت إذن هو الهوية، والهوية هي الموت. هي الشعور بالتمزق والشتات “أمد يدي المقطوعة لأمسك بأعضائي المبعثرة مثل جسوم عديدة، فلا أصبها ولا أهرب منها من فرط جاذبية الألم”().
لا تتمتع الهوية هنا بترف التفكير لأنها موجودة من أجل العدم، إنها أشلاء موزعة بين أجسام عديدة وأماكن متباعدة “أقلعت آخر طائرة من مطار بيروت ووضعتني أمام التليفزيون، لأشاهد بقية موتي مع ملايين المشاهدين، لا شئ يثبت أني موجود حين أفكر مع ديكارت، بل حين ينهض مني القربان الآن، في لبنان”().
وإذا كانت هوية القتيل أشلاء مبعثرة تجاوز التفكير، فإن هوية القاتل واحدة، مجموعة من الآلات الباردة التي تمارس عملها دون روح ودون إحساس، وإن لم تغب الفكرة ” القتلة هم الذين يتشابهون. فهم واحد توزع على أجهزة معدنية. يضغط على أزرار إلكترونية. يقتل ويختفي. يرانا ولا نراه، لا لأنه شبح، بل لأنه قناع فولاذي الفكرة.. لا ملامح له وله اسم وحيد “العدو”().
وفي تدوينة “نيرون” يعود درويش ليؤكد على الهوية الثابتة للقاتل في مقابل هوية المقتول المبعثرة، فيتخذ من شخصية “نيرون” الشهير بحرق روما سمة مميزة لكل قاتل وكل مخرب مهما اختلفت هوية المقتول ومهما تباعدت أماكن الخراب. يتساءل في مواضع عديدة نفس السؤال مع ثبات الجاني واختلاف الضحية: ماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرج على حريق لبنان؟… وماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرج على حريق العراق؟… وماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرج على حريق فلسطين؟… وماذا يدور في بال نيرون وهو يتفرج على حريق العالم؟
وأياً ما كانت الإجابة التي يوردها درويش عن هذه الأسئلة، فإن العنصر الثاني في هوية نيرون هو أنه “يحرق ويتلذذ بالفرجة على الحريق”.
والمفارقة لا تكمن في هذا، ولكن في كونه يتفرج ولا يريد أن يكون موضوعاً للفرجة من قبل الآخرين. فالمنفعة المتحصلة من مشاهدة الحرق والموت والدمار، إنما هي متعة خاصة يمارسها القاتل في الخفاء كما يفعل المراهقون حين يمارسون عادتهم السرية بعيداً عن أعين الكبار. “ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير، لأنه لا يريد لأحد أن يرى النار المشتعلة في أصابعه، عند نهاية هذا الفيلم الأمريكي الطويل”().
أحياناً يكون عدم ثبات الهوية كيفية مرنة تساعد على مراوغة القاتل، غير أن المسألة تتحول إلى إشكالية عندما يكون هذا هو الخيار الوحيد، والذي لا يكون خيارك أنت، وإنما خيار القاتل الذي يعمل طوال الوقت على طمس هويتك وتدمير بنيتك “البعوضة، ولا أعرف اسم مذكرها، ليست استعارة ولا كناية ولا تورية. إنها حشرة تحب دمك وتشمه عن بعد عشرين ميلاً. ولا سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة: أن تغير فصيلة دمك!”().
الهوية لا تكون ثابتة لأنك لا تصنعها وحدك ولكن يشاركك في صنعها الآخرون، هي التي تجعل ثمة مسافة بين الفعل البطولي والفعل اليومي العادي. فأن تكون بطلاً يتلقى بصدره الرصاص لا يمنعك من أن تشعر بالجوع والوجع إذا ما انتهى واجبك الوطني ورجعت إلى عزلتك ووحدتك. فاليوم يهتفت لك الناس ويرفعونك على الأكتاف، وغداً تصير بطولتك فعلاً ماضياً وينفض الجميع من حولك، رغم الشظايا التي بجسمك والألم الذي بروحك.
فليس هناك بطلاً على الدوام، وليست هناك بطولة أبدية واحدة يحملها الإنسان على ظهره وينتقل بها بين الناس، فيحصل على التصفيق والهتاف كلما غدا أو راح. “أحس بالجوع. تفقد معلبات السردين والفول فوجدها منتهية الصلاحية. ابتسم وغمغم: للبطولة أيضاً تاريخ انتهاء صلاحية. وأدرك أنه قام بواجبه الوطني”().
البطولة والنصر والهزيمة لا معنى لهم عندما تكون الحرب عبثية، لأنها مفاهيم ترتبط بالمحاربين الأحياء الذين نجوا من الموت.. الذين كان كل همهم أن ينجوا من الموت ويعودوا إلى أهليهم ومحبيهم “تمضي الحرب إلى جهة القيلولة، ويمضي المحاربون إلى صديقاتهم متعبين وخائفين على كلامهم من سوء التفسير”().
فالمحاربون يقولون نفس الكلام أمام من يحبون، عن النصر وعن الهزيمة وعن البطولة وعن السلام وعن الحب وعن الحياة “أما القتلى من الجانبين، فلا يدركون
إلا متأخرين، أن لهم عدواً مشتركاً هو: الموت. فما معنى ذلك، ما معنى ذلك؟”().
ومعنى ذلك هو أن الموت هو الهوية الثانية والمشتركة بين الضحايا من
كلا الجانبين المتحاربين: الظالم والمظلوم، الضحية والجلاد. فعند الموت تتساوى الجثث، وتذوب الحدود، ويخيم العدم على كل شئ في نوع من ميتافيزيقا الغياب. والوعي بهذا التماهي بين الموت والهوية لدى الأحياء، الذين لم يموتوا بعد، هو الذي جعلهم يمارسون حياتهم اليومية المعتادة بنفس الثبات حتى لو علموا بأن أجلهم قد اقترب وأن الموت على الأبواب لا تفصله عنهم سوى ساعات.
“إذا قيل لي، ستموت هنا في المساء
فماذا ستفعل في ما تبقى من الوقت؟
أنظر في ساعة اليد
أشرب كأس عصير
وأقضم تفاحة
وأطيل التأمل في نملة وجدت رزقها…
ثم أنظر في ساعة اليد،
مازال ثمة وقت لأحلق ذقني
……
أمشط شعري
وأرمي القصيدة، هذه القصيدة
في سلة المهملات
وألبس أحدث قمصان إيطاليا
وأشيع نفسي بحاشية من كمنجات إسبانيا
ثم
أمشي
إلى المقبرة!”().
وكما تواجه الهوية المراوغة الموت، فإنها تواجه الحياة، فالحياة بهوية ثابتة مطلب عزيز المنال في واقع فقد ملامحه وطمست هويته. الهوية المراوغة هي ذات تشعر بالغربة وتحاول اكتساب إستراتيجية التعايش مع الحياة بكل تناقضاتها ومفارقاتها التي لا تنتهي “يرنو إلى مرآته. فيرى غريباً مثله. يرنو إليه”()، “لم يكرر السؤال: من أنا؟ من فرط ما هو مجاف لرائحة الزنبق وموسيقى الجيران العالية”()، “ما أنا إلا هو. وما هو إلا أنا. في اختلاف الصور”().
الهوية المراوغة، هي هوية مركبة تضم في داخلها الأنا والآخر في ذات الوقت، وتتمتع بحرية التنقل بين الاثنين “هل في وسعي أن أختار أحلامي، لئلا أحلم بما
لا يتحقق، كأن أكون شخصاً آخر”().
وهي أيضاً مركبة بما تملكه من إمكانيات الحضور في الغياب، والغياب في الحضور “أسترق النظر إلى نافذة غرفتي المفتوحة وأتساءل: هل أنا هناك؟… أما أنا، فلن أكون في غرفتي ولا في الحديقة. هكذا يقتضي النص: لابد من غائب للتخفيف من حمولة المكان”().
إذا كان الاغتراب عن العالم هو أهم سمات الهوية المراوغة، فإن الاغتراب عن الذات هو سمة أخرى لهذه الهوية. أن تنظر إلى ذاتك بحسبانك آخر، ترقبها وتحنو عليها وتطمئن إلى أنها هي، ومازالت بخير، إنها إستراتيجية أخرى من إستراتيجيات التعايش مع الحياة المليئة بالتناقض ومع العالم الملئ بالمخاوف إنها إستراتيجية التعامل مع القلق الذي علمنا إياه هيدجر. أي الخوف المطلق من أي شئ وكل شئ “دخل إلى البيت وخاف أن يكون قد نسى نفسه على المقعد خائفاً. وحين تأكد أنه هو دخل لا سواه، وقف أمام المرآة، وحين تعرف إلى وجهه في المرآة اطمأن, أصغى إلى الصمت، فلم يسمع شيئاً يقول: أنا خائف، فاطمأن. ولسبب ما غامض.. لم يعد خائفاً”().
والاغتراب عن الذات حالة خاصة لا يدركها إلا الوعي المنقسم على نفسه، الوعي الجدلي الذي يمارس أفعال الحضور والغياب، الذي يتأمل نفسه بوصفه آخر. أما الآخر الفعلي، الآخر الحقيقي الواقع خارج الذات لا يمكن أن يدرك إلا ذاتك بوصفها “أنا” واحدة، ولا يخطر على باله بأن ثمة آخر مندمج مع الأنا في الذات بعينها:
“مشيت على رصيفك سادراً
ومشيت خلفك حائراً
والشمس غابت خلفنا…
ودنوت مني خطوة أو خطوتين
فلم تجدني واقفاً أو ماشياً
ودنوت منك فلم أجدك…
أكنت وحدي دون أن أدري
بأني كنت وحدي؟ لم تقل
إحدى النساء: هناك شخص ما
يطارد نفسه!”().
يظل الآخر غير مدرك للهوية المراوغة، فلا يلمسها ولا يعرفها، وإذا أطلعه أحد على واحدة من تجلياتها، فلا يجد أمامه من تفسير سوى أنها حالة مرضية من نوع خاص “اتصلت بصديق في ساعة متأخرة من الليل: أعاني من وعكة في الذاكرة.. أين أنا؟ قال: أنت في رام الله. سألته: متى أتيت؟ قال: اليوم، وكنا معاً بعد الظهر في حديقة فاتشي. سألته: لماذا لا أتذكر، هل تظن أني مريض؟ قال: يحدث ذلك مع مرضى من نوع آخر: مرضى الحنين إلى النسيان”().
كما تتجادل الهوية مع الموت، ومع الحياة، فإن الحياة أيضاً تتجادل مع الموت لتكتمل أبعاد المشهد المأساوي. ففي حضرة الموت اليومي، الموت الدائم الاشتغال، الذي لا يعرف عطلات رسمية أو حتى إجازات عارضة، تبدو الحياة غير العادية عادية الوتيرة. “ومازال الأفراد إذا صحوا أحياء قادرين على القول: صباح الخير. ثم يذهبون إلى أشغالهم الروتينية: تشييع الشهداء. ولا يعرفون إن كانوا سيعودون سالمين إلى ما تبقى من بيوت تحاصرها جرافات ودبابات وأشجار سرو مكسورة. والحياة من فرط لامبالاتها، لا ترى إلا تخطيطاً أولياً لأمنية عصية على التدوين”().
وكما تواجه الهوية المراوغة الحياة بتناقضاتها، تواجه الحياة بعاديتها وروتينيتها التي تصل إلى درجة العبث، الموت بكل جبروته وجهامته “وإن قيل لي ثانية: ستموت اليوم، فماذا تفعل؟ لن أحتاج إلى مهلة للرد: إذا غلبني الوسن نمت. وإذا كنت ظمآن شربت. وإذا كنت أكتب، فقد يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. وإذا كنت أتناول طعام الغداء، أضفت إلى شريحة اللحم المشوية قليلاً من الخردل والفلفل”().
الحياة صرخة وقصيدة، وحلم وأمل، الحياة فرحة وكوجيتو خاص ينتشلك من دوامة الشك، ويضعك على محك البداهة بأنك لم تمت بعد “أستمع إلى نشرة أخبار جديدة. لا قتلى جدداً في أي مكان. فرح بهذا الصباح الشاذ. قاده الفرح إلى طاولة الكتابة وفي باله سطر واحد: أنا حي على الرغم من أنني لا أشعر بالألم”().
والحياة تتحدى الموت بأن تطوقه بين ذراعيها وتجعله جزءاً ينتمي إليها، هكذا تُبنى القبور في أماكن تعج بالأحياء “القبور مراتب… فمنها ما يبدو لك أنه راحة النائم… ومنها… ما يجعل النائم جزءاً من وتيرة الحياة. فهو قريب من المقاهي والمتاحف ومواعيد الأحياء. الحياة في متناول قبره الرخامي. وحوله من تنوع الزهر والشجر والطير والبشر ما يغنيه عن الخروج إلى النزهة، بعدما أنفق مدخراته لامتلاك خصوصية هذا العنوان الدائم”().
والحياة درس عميق يعلمنا أن ننساها كي نستطيع أن نحياها:
“قالت: تعلمني تجدني في انتظارك!
قلت: شكراً للحياة، فإنها هبة وموهبة…
تعلمت الحياة بما استطعت من الشقاء
وعلمتني كيف أنساها لأحياها…”().
ففضيلة النسيان هي التي تمكننا من المضي في الحياة رغم الموت القريب الذي يحاصرنا من كل ناحية، وفي كل وقت. الحياة لا تبكي على أحد:
“تدفن الموتى على عجل، وترقص مثل غانية
وتنقص ثم تكتمل. الكمال كفاءة النقصان
والذكرى هي النسيان مرئياً…”().
وكما أن الموت راحة فإن الحياة راحة أيضاً. وكأن ثمة جدلية بين الموت والحياة، يتبادلان فيها الأدوار، ويتعاونان على صياغة الوجود الإنساني، بحيث يحيا في الموت ويموت في الحياة، لنصل بذلك إلى صورة أخرى من صور التماهي بين الموت والحياة. وهذا الجدل وذلك التماهي هو التأويل الفلسفي الوحيد الذي يمكن أن يفسر حالة الاضطراب التي يُصاب بها الوعي الشقي بين حين وآخر:
“فصرخت:هذا الموت لا معنى له،
عبثاً وفوضى في الحواس،
ولن أصدق أنني قد مت موتاً كاملاً
فلربما أنا بين بين
وربما أنا ميت متقاعد
يقضي إجازته القصيرة في الحياة!”().
وفي جدلية رائعة يصور درويش دورة الحياة والموت من خلال شجرة زيتون تمثل الحياة فيقضي عليها الموت القادم مع الغزاه “هؤلاء الجنود الجدد، يحاصرونها بالجرافات ويجتثونها من سلالة الأرض.. ينتصرون على جدتنا التي انقلبت وصار فرعها في الأرض وجذرها في السماء”().
ويقوم أحد أحفادها ممن شاهدوا عملية إعدامها برمي جندياً بحجر، فيستشهد معها، ويمضي الجنود تملأهم نشوة النصر الزائفة، ويدفن الفتى في الحفرة العميقة (مهد الجدة) “ولسبب ما، كنا متأكدين من أنه سيصبح، بعد قليل، شجرة زيتون.. شجرة زيتون شائكة.. وخضراء”().
إنه اليقين بأن الموت، ليس هو نهاية الحياة . فالحياة متصلة، دائماً أبداً، يتخللها الموت، وتتخلل الموت، ولن تكون النهاية أبداً عبثية بحيث تأتي بمحض رصاصة طائشة أو مدية غادرة. فقانون الكون الإلهي الذي يضم الموت والحياة هو الذي يصوغ هوية الإنسان ويمنحها القدرة على الوجود والتعايش مهما خيم اليأس، وأظلمت الدنيا، وسدت أبواب النجاة.

