د. ماهر عبد المحسن
سيظل طه حسين نموذجاً خصباً وملهماً للأجيال التالية التي تتطلع إلى عالم أفضل تسود فيه العدالة والحرية والكرامة. فقد كتب في العديد من المجالات: السياسية والاجتماعية والأدبية والثقافية، وفي كل الأحوال، كان يكتب ويفكر، وعيناه على المستقبل باحثاً عن الأفضل والأصلح والأجمل، متجاوزاً ما هو كائن، طامحاً في تحقيق ما ينبغي أن يكون.
وفي هذا الصدد يقول محمد حسن الزيات في مقدمته لقصة طه حسين “ما وراء النهر”: “أسهم طه حسين نفسه في كل هذه الميادين… دارساً الحياه الدولية، معنياً خاصة بموقع مصر وعالمنا العربي منها، فكان _في تناوله لكل ذلك_ واضح الإحساس بمسئولية الأديب المعاصر، ليس فقط عن إثراء الحياة الأدبية والفنية، بل كذلك عن المشاركة الجادة في تطوير حياة بلاده السياسية والاجتماعية والسعي بها نحو التقدم”(1)
ويكشف الزيات عن البعد الإصلاحي الاجتماعي في شخص طه حسين من خلال تتبعه لأعداد مجلة الكاتب المصري _التي أسسها طه حسين_ في عامها الثاني (1946). فيرصد ثلاثة أعمال نشرها طه حسين مسلسلة في المجلة تنبئ عن هذا البعد الإصلاحي، وإحساسه بمسئولية الأديب المصري والعربي عن العمل على تحقيق هذا الإصلاح في بلاده. وهي على الترتيب مجموعة “المعذبون في الأرض” التي بدأ نشرها في مارس 1946، وبحث بعنوان “ثورتان” نشر في مايو 1946، وقصة “ما وراء النهر” التي بدأت فصولها تنشر منذ نوفمبر1946 ثم توقف نشرها ولم تكتمل القصة.
يتبدى البعد الاجتماعي في مجموعة “المعذبون في الأرض” من خلال إهداء طه حسين الذي يسوقه “إلى الذين يحرقهم الشوق إلى العدل، وإلى الذين يؤرقهم الخوف من العدل، إلى الذين يجدون مالا ينفقون وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون”.
وفي بحثه “ثورتان” يتناول ثورة الرقيق في إيطاليا التي قادها سبرتاكوس، وثورة الزنج في البصرة التي قادها عبد الله بن محمد المعروف بصاحب الزنج. وفي مطالبته بالإصلاح الاجتماعي-على نحو ما يوضح الزيات(2)- يرسم الطريق إلى الإصلاح على أساس من قيمنا ومثلنا العليا التي أهملناها.
وفي هذا المعنى يقول طه حسين: “إن لنا في المطالبة بالعدل الاجتماعي تاريخاً حافلاً عظيم الغناء يستحق أن نرجع إليه.. فلعلنا إن فعلنا عرفنا أن المتطرفين من قدمائنا قد سبقوا إلى طائفة من الأصول في تنظيم الحياة الاجتماعية لم تستكشف في أوروبا إلا في أثناء القرن التاسع عشر أو في عصر الثورة الفرنسية الكبرى”.
وأخيراً يحدثنا الزيات عن الدلالة الإصلاحية والاجتماعية للعمل الثالث “ماوراء النهر” قائلاً: “هي أيضا صرخة ضد الظلم الاجتماعي للإصلاح ودعوة الإصلاح، وهي كذلك تستثير الغضب ولكنها تستبقي الأمل تحارب به اليأس والقنوط، الزمان الذي تقع فيه أحداثها هو زمن إملائها، يصرح الكاتب بذلك فهو يقول: قصتنا لم تحدث في العصر القديم وإنما تزعم أنها حدثت في هذا العصر الذي نعيش فيه”(3).
وإذا كان الزيات قد ركز على البعد الإصلاحي الاجتماعي في هذه الأعمال، فإننا في هذا البحث سنركز على هذا البعد لكن من المنظور الفني والجمالي، خاصةً في عمله الأول في المجموعة التي تناولها الزيات وهو “المعذبون في الأرض”. فنحن نتبنى اتجاهاً نقدياً ينطلق من جماليات المضمون أكثر من جماليات الشكل.
وبهذا المعنى، لا تعني الجماليات الكيفيات الشكلية والبنائية في العمل بقدر ما تعني المعاني والدلالات التي يمكن استخلاصها من المضمون. إنه ليس بحثاً في صورة الوجود، وانما بحث في أسلوب الوجود، في الكيفيات التي يتجلى بها الحدث، ومن خلالها تكشف الشخصيات عن ماهياتها وأصالتها في معاناة الوجود، وشروط الحياة بالنسبة للموجود.
ولا يعنى ذلك غض الطرف تماماً عن البعد الشكلي والبنائي لهذا العمل، وأنما سنتوقف عنده قليلا لما له من أهمية منهجية في سياق الدرس النقدي. إذ أن طه حسين في هذه المجموعة كان يمضي في طريق بينية بين القصة والمقالة، الأمر الذي جعله يتبنى المنهج البريختي المعروف “بكسر الإيهام”، بحيث كان لا يتورع عن الخروج عن السياق الفني ليخاطب القارئ مباشرةً في مواضع متعددة من القصة الواحدة، أو يتدخل في سياق الأحداث ليدلي برأيه فيها أو يعلق عليها أو يقدم لها شرحاً وتفسيراً. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى غلبة البعد الإصلاحي الاجتماعي الذي حدثنا عنه الزيات منذ قليل وأن رغبة طه حسين في توصيل الرسالة الاجتماعية كانت أقوى من رغبته في توصيل الرسالة الفنية أو الاستثارة الجمالية.
وعلى ذلك سينقسم البحث إلى مبحثين:
1- البعد الشكلي (تقنية كسر الإيهام)
2- البعد المضموني (ماهية القهر وتجلياته)
أولاً: البعد الشكلي (تقنية كسر الإيهام):
تقنية كسر الإيهام هي تقنية مسرحية بالأساس، وقد تم استخدامها في فنون أخرى مثل السينما والفنون التشكيلية، وهي تعني سقوط الحائط الرابع الذي يفترض وجوده بين الممثلين والمتفرجين بهدف الحيلولة دون اندماج المشاهد في العمل وإشراكه في نقد القضية التي يطرحها المؤلف. وتعتمد تقنية كسر الإيهام على “الإغراب” و”هو نوع من الفن يتخذه الفنان كاتباً أو شاعراً أو ممثلاً أو مخرجاً أو تشكيلياً يتعمد فيه تعطيل وصول شئ من فنه إلى الجماهير، أو ليثيرهم ليصل من الإثارة إلى عدم التوازن، الذي ينبغي أن يحدث في العمل الفني وبين شبيهه في الحياه”(4).
ويأتي هذا الاتجاه الفني كرد فعل على نظرية أرسطو في “التطهير”، التي تعمل على إدماج المشاهد في العمل وعزله عن الواقع بحيث يستغرق في العمل بنحو سلبي يمنعه من التفكير والنقد. ويعتبر الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت من أشهر الفنانين الذين تعاملوا مع تقنية كسر الإيهام. “فهو في نظرية مسرحه الملحمي لا يشرك المشاهد في الأحاسيس، بل يجعله مشاهداً ناقداً لا ينسى نفسه مع الممثلين أو مع المسرحية. ويجعله ناقماً مفكراً فيما يراه، عاقلاً في غير تأجج أو اشتعال.. بارداً إن صح هذا التعبير. وبريخت يستبدل المعايشة المستكينة القاصرة عند المتفرج بنشاط فكري راق وثاقب بدلاً من عدم المقاومة. وهو لهذا ينبه على ممثليه بقطع تسلسل الأداء التمثيلي، وفي محطات الأدوار، وبين لوحات دراماته، أثناء مقاطع الراوي أو المغني، وأغاني دراماته المعروفة تخدم هذا الغرض الإغرابي داخل مخططه الملحمي الذي اشتهر به مسرحه”(5).
وإذا أردنا أن نبحث عن هذه التقنية في كتاب طه حسين “المعذبون في الأرض” فسنجد أنها تظهر بطريقتين: عن طريق التوجه للقارئ، وعن طريق التدخل في الأحداث بآراء خاصة. وقد تحقق ذلك على النحو التالي:
1- التوجّه للقارئ
في مجموعة “المعذبون في الأرض” كثيراً ما كان يتوقف طه حسين عن السرد ليخاطب القارئ مباشرة، ففي قصة “صالح” يقول: “وأصبح الصبي، فغدا على كتّابه كما تعوّد أن يفعل خمسة أيام في الأسبوع. وقد يخطر للقارئ أن يسألني عن هذا الصبي: ما اسمه؟ وما موطنه؟ وما بيئته؟ وما أسرته؟ ومن عسى أن يكون؟ ولكني أجيب القارئ إن خطرت له هذه الأسئلة كما كان الكاتب الفرنسي “ديديرو” يجيب قرّاءه حين يخيل إليه أنهم يسألونه أو يهمون أن يسألوه عن بعض الأمور في قصصه، أجيب القارئ بأنه يسرف على نفسه وعليّ بهذه الأسئلة التي قد يكون الرد عليها مفيداً لتكون القصة منسقة، حسنة البناء، ملتئمة الأجزاء، يأخذ بعضها برقاب بعض كما كان النقاد القدماء يقولون. ولكني لا أحاول أن أضع قصة فأخضعها لما ينبغي أن تخضع له القصة من أصول الفن كما رسمها كبار النقاد”(6).
ويُلاحظ أن طه حسين هنا يطرح الأسئلة بدلاً من القراء، وفي ذات الوقت، يرفض الإجابة عليها. إنه نوع من المنولوج الداخلي الذي يتخذ شكل الحوار الخارجي. فهو يجلب القارئ للوعي ثم يعود فيقصيه في حركة بندولية لا يُفهم منها إلا أنه يحاول أن يستثير القارئ ويحفزه على التفكير من ناحية، كما أنه يريد أن يلفت انتباهه إلى أهمية القضية التي يطرحها، وكيف أنها تتجاوز مجرد الالتزام بقواعد نقد القصص كما أرساها كبار النقاد.
ويؤكد هذا الاستنتاج ما ذكره العميد في موضع آخر من ذات القصة قائلاً: “أيهما خير أن ألفتك إلى صالح هذا البائس المسكين الذي ملأ مصر نعمة وخيراً، وملأت مصر حياته شقاءً وبؤساً، أم أحدثك عن أمين وموطنه وبيئته وأسرته لتستقيم القصة، ولتستوي رائعة بارعة ملائمة لأصول الفن التي رسمها النقاد؟ أما أنا فأوثر أن أتحدث إلى قلبك، وما يضطرب فيه من عاطفة، وما يشيع فيه من شعور، على أن اتحدث إلى عقلك وذوقك، وما يثيران في نفسك من تهالك على النقد وحب الاستطلاع” (7).
ولا يقف الأمر عند هذا الحد وإنما يصل إلى درجة تحديد طه حسين لطبيعة العلاقة التي بينه ككاتب وبين القارئ. وهي علاقة غريبة وتستحق التأمل لما تنطوي عليه من قدر لا يستهان به من الاستفزاز. فالعميد يريد أن يحقق لنفسه كمؤلف درجة من الاستقلالية التي تجعله يتصرف على النحو الذي يراه ويرضيه هو، لا على النحو الذي يراه ويرتضيه القارئ فيقول: “حدثني أيها القارئ العزيز أكان من الخير أن أعرض عليك تفصيل هذا كله، في أول هذا الحديث فتضيق بي وبصالح وبأمين، وبالستر الذي يحمل إليك هذا الحديث، أم كان الخير أن أذهب إلى المذهب اليسير الذي اخترته، وأن أحدثك بكل شئ حين يحين التحدث به إليه؟ أنا أعرف أنك ستعاند وستماري، وستذهب في عنادك ومرائك مذاهب مختلفة، فأنت وما تشاء. أما أنا فقد ذهبت المذهب الذي اخترته، وحدثتك بالأمر على النحو الذي آثرته”(8).
ومع ذلك يمكن أن يُفهم هذا الرأي على الوجه الإيجابي، فنقول أن العميد إنما كان يريد الاستقلال للقارئ كما أراده للكاتب في ذات الوقت. فللكاتب ان يكتب ما يراه بالطريقة التي يشاء، وللقارئ أن يفهم ما يريد أن يفهمه على النحو الذي يرتضيه. والفكرة هنا منطقية وموضوعية، إذ أن الكاتب في كل الأحوال هو الذي يقوم بفعل الكتابة، ومن ثم فإن له أن يختار الأسلوب أو الطريقة التي يعبر بها عن أرائه ومواقفه دون الرجوع للقارئ الذي يأتي في مرحلة لاحقة. ويسهب العميد في وصف هذه الحرية التي منحها لنفسه ككاتب، فيسرد صفحة كاملة من قصة “قاسم” يعدد فيها احتمالات مواضع الكتابة التي كان يمكن أن يمضي فيها، وكيف أنه تركها جميعاً وسلك طريقاً آخر مخالفة يرى أنها الأجدر بالعناية والتركيز، فيقول: “والقارئ يستطيع أن يلاحظ أننا انتهينا إلى مفرق من مفارق الطرق في هذا الحديث، فأنا أستطيع أن أذهب معه إلى السوق التي ذهب إليها قاسم الصياد، وأنا أستطيع أن أذهب إلى هذه الدور، التي يلم بها سيدنا كل صباح ليقرأ القرآن، ويشرب فيها القهوة… ثم أذهب معه إلى الكتّاب الذي سينتهي إليه سيدنا حين يرتفع الضحى وتوشك الشمس أن تزول. وأنا استطيع أن أترك قاسماً يشترى في السوق ما يشاء، وأن سيدنا يطوف بالدور وينتهي إلى الكتّاب وأن أقيم في الدار لا أبرحها… لكني لن أقيم في الدار، ولن أتبع قاسماً ولن أتبع سيدنا وإنما سأخرج من الدار، وسأنحرف إلى الشمال فأسعى حيناً، ثم أنحرف إلى الشمال مرة أخرى فأسعى قليلاً، ثم أنحرف إلى يمين فأمضي أمامي خطوات، ثم أجد في أقصى هذه الحارة الحقيرة حجرة حقيرة”(9).
وهذه الحجرة الحقيرة هي ما يؤثره العميد على السوق وما يعرض فيها من السلع، وعلى الدور وما يكون فيها من حديث، وعلى الكتّاب وما يكون فيه من جد ولعب، ومن سذاجة ومكر على نحو ما يشرح في السطور التالية. وما يهمنا هنا أن طه حسين يقدم للقارئ في وضوح احتمالات السرد الممكنة مؤكداً مرة أخرى على حريته في التنقل بين هذه الممكنات، وأنها مسألة تخصه وحده ككاتب.
وما من شك في أنه لا يقوم بذلك، فقط، من أجل إثبات تفوقه على القارئ، وإنما بهدف لفت انتباه القارئ إلى القضية الأهم، وهي قضية الظلم الاجتماعي ومظاهر البؤس التي تطغى على شخوص القصة. وهنا نعود لنؤكد أنه ما كان له أن يصل إلى مسعاه في لفت انتباه القارئ لولا استخدامه لتقنية “التغريب” أو “كسر الإيهام”.
ولا يتوقف العميد عن الاستمرار في الخروج على السرد والتوجّه للقارئ مباشرة بالحديث في حوار أقرب للمنولوج، يطرح فيه السؤال ثم يتولى الإجابة عنه بنفسه. والحقيقة أن اللهجة التي تبدو غير حميمية في سطوره عند مخاطبته للقارئ، إنما مبعثها _من وجهة نظرنا_ أن العميد إنما كان يخاطب المسئولين بالبلاد أكثر مما كان يخاطب القارئ العادي. فالعمل برمته كان بمثابة منشور اجتماعي وسياسي يفضح فيه الأوضاع الظالمة والمتردية في المجتمع، وليس أدل على ذلك من أن الفصول الأخيرة من المجموعة كانت أقرب للمقال منها إلى القصة وكانت تخاطب أغنياء ومترفي البلاد في صراحة واضحة، ففي مقال بعنوان “سخاء” يقول بعبارات حادة لا تخلو من قسوة: “فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئاً ذا خطر. وليت أغنياءنا يصدقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد، ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين، ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا، ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل. لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في ناد من أندية الميسر، وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيل من سبل البر ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم ام لا”(10).
ولا يقف النقد عند حدود الأغنياء، وإنما يمتد إلى الحكومات كذلك على اعتبار أن كلاهما مسئول عن الحال التي وصل إليها فقراء البلاد، فيقول بكل جرأة: “والشئ الذي يملأ القلوب غيظاً والنفوس كمداً، هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحروب، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له”(11).
2- التدخل في السرد
تتجلى تقنية “كسر الإيهام” في مجموعة “المعذبون في الأرض”، كذلك فيما يمكن تسميته ب “التدخل في السرد”. حيث كان يعمد طه حسين إلى قطع التسلسل الحكائي والتدخل بآرائه الشخصية في الأحداث أو الشخوص أو حتى في أمور أخرى تخص مسائل الإبداع والكتابة أو تمس الحياة الواقعية.
ففي قصة “صالح” يتوقف عن السرد ليعلق على الكيفية التي اختارها ليسرد بها القصة قائلاً: “… لو أني بدأت هذا الحديث برسم واضح دقيق لشخصية صالح وأمين، ومن يتصل بصالح وأمين من الناس، لضاق القراء بهذه المقدمات أشد الضيق، ولقال بعضهم: تجاوز حديث الطوفان وصل إلى غايتك، فلسنا من الغباء والغفلة بحيث نحتاج إلى كل هذا التمهيد”(12).
وفي قصة “المعتزلة” يضع العميد مقدمة طويلة يشرح فيها لماذا اختار هذا الاسم دون سواه، ويتحدث كذلك عن قدر المترفين وقدر الأشقياء وموقفه من هؤلاء وهؤلاء، ويأتي كل ذلك قبل البدء في السرد والدخول في أحداث القصة والتعرف على شخصياتها، وسنكتفي هنا بالفقرة الاستهلالية التي مهد بها للقصة حيث يقول: “لا أريد تلك الفرقة الإسلامية المعروفة من فرق المتكلمين، وإنما أريد أسرة مصرية بائسة كنت أنسيت أمرها، حتى كان هذا الوباء الذي ألم بمصر، فذكرتها ذكراً متصلاً ملحاً، وحاولت أن أخلص من التفكير فيها فلم أستطع، فأردت أن أتسلى عن ذكراها بالتحدث عنها، لعل هذا التحدث أن يخرجها من ضميري الخاص إلى الضمير العام، فيكون في ذلك تخفيف للعبء، وتفريج للكرب، وشفاء لبعض ما في النفس. والهموم الثقال تخف إذا شاركت في حملها ضمائر كثيرة، ولم يقصر ثقلها على ضمير واحد مهما يكن أيداً قوياً، فكيف إذا لم يكن له حظ من قوة أو أيد”(13).
وفي تحليله للنظام الاجتماعي في مصر يقول في موضع آخر من ذات القصة: “الأثرة_ياسيدي_ هي الأساس المتين الذي يقوم عليه نظامنا الاجتماعي البديع، الذي نفتديه بأنفسنا ونحميه بما نملك وما لا نملك من جهد، فمن أراد الدفاع عن هذا النظام وحياطته وصيانته من أن يعبث به العابثون، أو أن تمسه الخطوب بما لا يحب وبما لا نحب، فليكن أثراً إلى أبعد غايات الأثرة، محباً لنفسه إلى أقصى آماد حب النفس، لا يحفل بالناس إلا بمقدار ما يهيئون له من الخير، وما يحققونه له من المنفعة، وما يبلغونه من الآراب، فإذا بعد الأمل بينه وبينهم، أو خفيت عليه أسرار الصلات التي تجعله محتاجاً إليهم وتجعلهم محتاجين إلية، فلا عليه من أن ينكرهم إنكاراً ويزدريهم إزدراء، ويمضي في طريقه مستمتعاً بطيبات الحياة، غير ملق بالاً إلى ما يكتنفهم من الهول، وما يصب عليهم من الهم، وما يسلط عليهم من الكوارث والنكبات”(14).
وفي قصة “صفاء” يستهل طه حسين القصة بجملة غامضة لا يعرف القارئ من قائلها ولا مناسبة قولها ولا إلى أي شئ ترمى، ثم يبدأ السرد بعدها في جو وسياق يخيم عليه الغموض، لتظل الجملة محتفظة بغموضها في انتظار المزيد من السرد لإيضاح المعنى واستخراج الدلالة. إلا أنه في الفقرة الثانية مباشرة يتوقف عن السرد ليعلق على هذه الجملة الغامضة كاشفاً عن الغاية من هذا الاستهلال الملتبس قائلاً:” وقد استوفيت فيما أظن ما ينبغي أن يستوفيه الكاتب حين يريد أن يستأنف قصة خطيرة أو يسيرة، فألقيت إلى القراء هذه الجملة الغامضة التي لا يُذكر فيها الفاعل ولا المبتدأ إلا متأخراً، لأثير في نفوسهم هذه النظرية التي تدعو إلى الاستطلاع، ثم ذكرت بعد هذه الجملة اسم حنينة وابنها نصيف لتزداد حاجة القراء إلى هذا الاستطلاع، ثم فرقت بين الأم وابنها على هذا النحو الغريب المريب، فبينهما حديث لا يريد الفتى أن يتصل وتحرص الأم على أن يتصل…”(15).
والمُلاحظ أن العميد في توقفه عن السرد، وفي خروجه على سياق الأحداث إنما كان يركز على جماليات الإبداع والتلقي. فتتجلى جماليات التلقي في توجهه بالخطاب إلى القارئ وتحديد طبيعة العلاقة التي بين القارئ والكاتب على النحو الذي بيناه سابقاً، وهي العلاقة التي يهيمن عليها مبدأ الحرية بحيث تحقق للكاتب حرية اختيار الموضوع والأسلوب الذي يعبّر به عن الموضوع، وتحقق _في نفس الوقت_ للقارئ حرية الفهم والتأويل عندما تستوي الكتابة عملاً أدبياً مكتملاً ومستقلاً بين يديه. أما على مستوى الإبداع فتتجلى جمالياته في رغبة العميد إشراك القارئ في العملية الإبداعية ذاتها. والمقصود بالإشراك هنا ليس التدخل الفعلي، وانما اطلاع القارئ على تفاصيل العملية الإبداعية بحيث يكون على بينة بسيكولوجية الكاتب والظروف التي تحكمت في اختياراته. إلا أن العميد يقوم بذلك في إطار كبير من الحرية لا يتنازل عنه أبداً، فهو الذي يقرر متى يفصح عن أسراره الإبداعية ومتى يحجم، وعن أي شيء يفصح وأي شيء يحجم.
ففي موضع آخر من قصة “صفاء” يقول: “الشيء الذي أؤكده للقارئ هو أني لم أختر ولم أكن أستطيع أن أختار زمان هذه القصة ومكانها، كما أني لم أختر ولم أكن أستطيع أن أختار أشخاص هذه القصة و أحداثها، وإنما اختارت طبيعة الأشياء هؤلاء الأشخاص، وأجرت طبيعة الأشياء عليهم ما أجرت من الأحداث، أرادت أن يكون هذا في آخر القرن الماضي أول هذا القرن، أن أشهد القصة وأتأثر بها أشد التأثر وأعمقه، وأن أدخرها في نفسي لشيء لم أكن أعرفه حين شهدت القصة وادخرتها، وقد أخذت أعرفه الآن حين بدأت أملي هذا الحديث، فأنا إنما شهدت القصة وادخرتها لأتحدث بها إلى قراء هذا السفر، بعد أن مضي على أحداثها ما يقرب من نصف قرن”(16).
وفي كل الأحوال، فإن التركيز على جماليات التلقي أو جماليات الإبداع، وإيقاف السرد من أجل تسليط الضوء على الأبعاد المكوّنة لهما، إنما هو من قبيل “التغريب” أو “كسر الإيهام”. فالقضايا الاجتماعية التي يثيرها العميد والتي يحرص على أن يكون لها صدى في نفوس القراء، إنما يناسبها هذا التكنيك السردي الذي يقدم القصة بكل ما تحمله من مرارات وعذابات، وفي ذات الوقت يعمل على عدم إندماج القارئ في الأحداث. فالغاية الجمالية عند العميد ليست هي “التطهير” بقدر ما هي “الإصلاح والتوجيه”. بل يمكن القول إن الغاية الجمالية ليست مطلوبة لذاتها، وربما لم تكن مطلوبة على الإطلاق، وإنما الهدف كان _في الأول وفي الآخر_ عملياً إصلاحياً اجتماعياً. الهدف كان محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي الخاص بالطبقات المترفة والمنعّمة بحيث تعيد ترتيب أولوياتها على النحو الذي يخدم قضية العدالة الاجتماعية التي كانت تشغله.
ثانياً: البعد المضموني (ماهية القهر وتجلياته):
لا يستخدم طه حسين لفظة “القهر” للتعبير عن معاناة أبطال قصصه، وإنما يستخدم لفظة “البؤس”. و”القهر” يعني الاضطرار والغلبة، بينما يعني “البؤس” الفقر واشتداد الحاجة. ونحن نستخدم في بحثنا لفظة “القهر” بدلاً من “البؤس” لأنها أكثر عمومية وهي النتيجة النهائية للبؤس.
فالقهر _من وجهة نظرنا_ هو معايشة البؤس واستمرار الحياه في ظله دون القدرة على دفعه أو التملص منه.
ومعظم أعمال العميد تتخذ من البؤس موضوعاً لها، نجد هذا في “دعاء الكروان” و “ماوراء النهر” و”المعذبون في الأرض”، ونجده عنواناً في “شجرة البؤس”.
فماذا يعني “البؤس” عند طه حسين؟
1- معنى البؤس
إذا أردنا أن نعرف معنى “البؤس” عند طه حسين فلن نجد أنسب من الأوصاف التي اوردها في مجموعة “المعذبون في الأرض” لتصوير حياة البائسين في قصص المجموعة. ففي المقدمة كان يصف حال البائسين وحال الأغنياء في نوع من المقابلة ليكشف عن حجم الظلم الاجتماعي المهيمن على الحياه في البلاد، فيقول: “ولم يكن البؤس يرضى أن يصحب هذا الفريق إلا إذا تبعه أصحابه من الجوع والعري والعلل والذل والهوان، والكمد الذي يضني ولا يغني، والهم الذي يسوء وينوء… فأما الفريق الثاني، فريق تلك القلة القليلة… كان يشتهى فيبلغ ما يشتهي حتى سئم شهواته، وكان يريد فيبلغ ما يريد حتى مل إرادته، وكان قلبه قد قسا فهو كالحجارة أو أشد قسوة…”(17).
والمقابلة بين حال الأغنياء وحال البؤساء هي واحدة من الأساليب السردية التي يلجأ إليها العميد من أجل إبراز معنى البؤس، لأن المفارقة الصارخة التي بين الحالين من شأنها أن تنقل المعنى من منطقة العقل والتفكير إلى منطقة الوجدان والشعور، وقد تكرر هذا الأسلوب كثيراً على مدار قصص المجموعة. وبجانب ذلك يلجأ العميد إلى أسلوب آخر لا يقل في تأثيره وفاعليته عن أسلوب المقابلة السالف، وهو وصف حال البؤس كما يتبدى في وعي الأغنياء، وهنا لا نكون إزاء مقابلة وإنما نكون إزاء مزاوجة واندماج بين ذات الغني وبين ذات البائس كموضوع لمعرفة هذه الذات. ففي قصة “صالح” يصف حال صالح كما يراها رفيقه الصبي المنتمي لعائلة من الأغنياء، فيقول: “وقد نظر الصبي إلى صالح فراعه ثوبه الممزق قد ظهر منه صدره أكثر مما ينبغي، وقد انشق عنه كتفه فظهرتا منه نابيتين، والثوب على ذلك رث قذر، يُظهر من جسم الصبي أكثر مما يخفي، كأنه أسمال قد وُصل بعضها ببعض وصلاً ما، وعُلّقت على هذا الجسم الضئيل الناحل تعليقاً ما، لتستر منه ما تستطيع، وليقال أن صاحبه لا يمضي به متجرداً عرياناً”(18).
ويلاحظ أن الوصف هنا ينصب على مظاهر البؤس الخارجية، وهي المظاهر التي أثارت عاطفة رفيق “صالح”، الصبي سليل الأغنياء، فجعلته يمعن النظر في وجه “صالح” ليتجاوز المظاهر الخارجية ويصل إلى الأبعاد الداخلية للبؤس المتجسد أمامه في شخص “صالح”، فيقول العميد: “ثم رفع الصبي رأسه إلى وجه صالح فرأى بؤساً شاحباً يشيع فيه، ورأى ابتسامة فيها كثير من الحزن، وكثير من أمل، ورأى عينين تدوران تنظران إلى ما حولهما، تنخفضان حيناً إلى هذا الحديد الملقي على الأرض، وترتفعان حيناً إلى قطعة السكر في يد رفيقه، وترتفعان بعد ذلك إلى عناقيد الكرم هذه التي تتدلى على الجدران، وتمتد على هذه العيدان التي نُصبت لتحملها”(19).
ويعود العميد لأسلوب المقابلة ليصف حال الصبي الغني في مقابل حال “صالح” البائس الفقير ليستخلص رؤية فلسفية وجودية لمعنى البؤس، فيقول: “لم يوجد صالح قط لأنه يملأ المملكة المصرية، وإذا أسرف الشئ في الوجود فهو غير موجود، سواءً أرضيت الفلسفة عن هذا الكلام أم لم ترض. أما أمين فموجود من غير شك، لأننا نراه ولا نكاد نرى غيره، لأنه عظيم الخطر، فهو هذا الصبي الذي لا ينام جائعاً إذا أقبل الليل، ولا يغدو طاوياً على المدرسة أو على الكتّاب، ولا يطول انتظاره للغداء إذا آن وقت الغداء، ولا ينبغي أن يطول انتظاره للعشاء إذا أقبل الليل، لأن من حقه أن يتناول الطعام في إبّانه، وأن يأخذ قسطه من النوم حتى لا تتعرض صحته الغالية لبعض ما يؤذيها”(20).
وبالرغم من أن “البؤس” عند طه حسين يبدو من خلال أوصافه العديدة في المجموعة مرادفاً للفقر واشتداد الحاجة، إلا أنه في موضع آخر من قصة “صالح” يضفي على البؤس معنى أكثر شمولاً بحيث يتجاوز حال الفقراء، ويمتد ليصل لحال الأغنياء. وهنا يكتسب “البؤس” معنى معنوياً بجانب معناه المادي، فيقول: “ليس البؤس متصوراً على هذه الصفة التي تأتي من الفقر، وما يستتبعه الفقر من الجوع الذي يمزق البطون، والإعدام الذي يمزق الثياب، ويظهر من ثناياها الصدور والظهور والأكتاف، ولكن البؤس قد يتصل بأشياء أخرى ليست جوعاً ولا إعداماً، ولكنها قد تكون شراً من الجوع والإعدام، لأنها تتصل بالنفوس والقلوب. وإني لأعرف قوماً كثيرين تمتلئ أيديهم بالمال، ويعظم حظهم من الثراء حتى يضيقوا به، وهم مع ذلك يجدون بؤساء أي بؤس، وشقاءً أي شقاء”(21).
2- أخلاقيات البؤساء
بالرغم من أن طه حسين لا يبالغ في تصوير أخلاقية البؤساء، ولا يعمد إلى تصويرهم كملائكة، إلا أنه يصورهم على النحو الذي يجعل القارئ يتعاطف معهم. ولهذه الغاية فهو لا ينسب لهم مبادئ أو شعارات، وإنما يعرض لأحوالهم المعيشية المنطوية على رحلات كفاح ونضال وجلد، وقدرة فائقة على تحمل الألم. فيصف حال قاسم الصياد في قصة “قاسم” قائلاً: “وقد كان قاسم عليلاً قد نهكه المرض، وكاد يسل جسمه سلاً، ومن أجل ذلك لم يكن يجد ولا يكد، ولا يضطرب في شئون الحياة كما يضطرب غيره من الناس، وإنما كان ينفق أيسر الجهد ليمسك الحياة على نفسه وعلى أسرته الصغيرة. يسعى إلى النهر بين حين وحين، فإن ساق الله إلى شبكته شيئاً من السمك باعه في غير مشقة ولا مساومة، ثم عاد بما يغل ذلك عليه من نقد فاشترى في كثير من الفتور والألم ما يصلح أمره وأمر زوجته وابنتيه”(22).
وفي فقرة تالية يكشف العميد عن الكفاح الأسري والنضال اليومي في السعي نحو لقمة العيش. فالحال التي عليها قاسم من الضعف والوهن والتي قد لا تمكنه من سد كافة احتياجات الأسرة، هذه الحال تدفع زوجته للخروج والعمل من أجل استكمال الدور النضالي الذي أعجز المرض قاسم عن استكماله، فيقول: “هنالك كانت أمونة تخرج متباطئة، فتلم بهذه الدار أو تلك تعين أهلها من أمرهم على بعض ما يصنعون، وتعود حين ينتصف النهار، وقد حملت ما يمسك عليها وعلى زوجها وابنتها الحياة ويرد عنهم الجوع”(23).
وفي قصة “خديجة” يصف العميد لون آخر من ألوان الكفاح والنضال اليومي الذي يقوم به البؤساء، فيقول: وكانت محبوبة هذه امرأة نصفاً، تطوف بأهل القرية تصنع لهم الخبز، وتصنع لهم من الخبز نوعاً خاصاً هو هذا الذي يتخذ من الذرة رقيقاً مستديراً واسعاً…. فكنت تراها في آخر الليل ملمة بهذه الدار أو تلك تهيئ العجين، وكنت تراها في أول النهار جالسة أمام الفرن، تدير بيدها السريعة الصناع قطع العجين… وكنت تراها حين يرتفع الضحى ويوشك النهار أن ينتصف عائدة إلى بيتها ذاك الوضيع الحقير، وقد حملت أجرها طائفة من هذا الخبز تضيفها إلى طائفة، وتعيش عليها مع زوجها وبنيها وبناتها”(24).
ويصف عمل الأب “شعبان” وهو بنَّاء متواضع ورث المهنة عن أبيه قائلاً: “فكان يعمل اليوم أو اليومين أو الأيام القليلة ليظل بعد ذلك متعطلاً أياماً أو أسابيع. وكان يوسع على أهله بهذه القروش التي يغلها عمله من حين إلى حين، يكسوهم إن استطاع لهم كسوة، ويمتعهم بقليل من الطيبات إن طالت يده إلى قليل من الطيبات، فلم يكن بد من أن يعمل الصبية حين شبوا ليقوتوا أنفسهم حيث يعملون، وليرجعوا على أهلهم بفضل ما يساق إليهم من الرزق”(25).
كما يصف عمل “خديجة” الإبنة الجميلة الجذابة قائلاً: “وكانت خديجة كاعباً، تعمل في دار من دور أهل اليسار، تقبل مع الصبح السفر فتنفق ما تملك من نشاط في خدمة أهل الدار، وتعود مع الليل المظلم إلى بيت أبويها فتنفق الليل فيه. وكانت راضية بهذه الحياة باسمة لها على شيء من حزن كان يستقر في قلبها ويتغلغل في ضميرها، ولا يبين عنه لسانها حين ينطق، ولا وجهها حين يأخذ ما يأخذ من الأشكال”(26).
ويُلاحظ أن كفاح البؤساء في الحياة القاسية والخشنة، إنما هو كفاح أسري لا يقتصر على الأب أو الأبناء الذكور فقط ولكن يشمل النساء أيضاً، بل من المُلاحظ أن النساء يلعبن أدواراً أكبر في حياة الأسرة، خاصة عندما يزحف الضعف والوهن على رب الأسرة أو تضن عليه طبيعة العمل بما يفي باحتياجات الأسرة الضرورية. وربما كان هذا سبباً في إبراز البعد النفسي لدى المرأة البائسة وعدم الاكتفاء بالوصف الخارجي للهيئة أو السلوك. وخديجة هنا ليست فقط فتاة جميلة ومكافحة، ولكنها راضية بالحياة باسمة لها برغم مسحة من حزن تعمل على إخفائها ودفنها في أعماق روحها المنهكة.
وبجانب الأخلاق المادية المرتبطة بالكفاح والنضال في الحياة، يلقي العميد ضوءاً ساطعاً على الأخلاق الروحية للبؤساء. وخديجة كانت تتلقى من ربة البيت الذي تعمل به أطباق مليئة بالطعام لتحملها إلى أهلها كل يوم، إلا أن كبريائها من ناحية واحترامها لمخدومتها من ناحية أخرى جعلها تأخذ الطعام وتعطيه للفقراء أو للكلاب الضالة وهي عائدة في الطريق إلى منزلها، فيقول:
“منذ ذلك اليوم عرفت ربة الدار أن خديجة خادم لا كالخدم، وفتاة لا كالفتيات، فآثرتها بالمودة، واختصتها بالحب، وكادت تتخذها لنفسها صديقاً، وقصت على زوجها القصة آخر النهار، فرق للفتاة وأهلها، وأوصى امرأته بها وبهم خيراً”(27).
وفي قصة “المعتزلة” يعرض لنا طه حسين صورة أخرى من أخلاقيات البؤساء، يمكن أن نطلق عليها –مجازاً– “أخلاقيات الاعتزال”، وهي أخلاقيات تختلف عن تلك التي تعرضنا لها منذ قليل. إذ أن أبطال هذه القصة من البؤساء يكافحون في الحياة ويكابدون مشاقها، لكن في صمت، ودون أي محاولة للاتصال بالناس أو ممارسة الأعمال التي جرى العرف على أن يقوم بها أمثالهم في دور الموسرين، وهؤلاء ينطبق عليهم القول “يحسبهم الناس أغنياء من التعفف”. وفي هذا المعنى يقول العميد:
“لم يخطر فيما أعلم لأحد من الموسرين، ولأهل الدارين اللتين كانتا تكتنفان بيتها أن يبروا هذه الأسرة بقليل أو كثير من الخير، لا لأن الموسرين كانوا يبخلون بالمعونة على الذين يحتاجون إلى المعونة، بل لأنهم في أكثر الظن قد هموا أن يبروا هؤلاء الناس، فردوا برهم عليهم في شيء من التعفف الذي لا يحب من الفقراء، فكف الموسرون عن محاولة الرفق بهم والتوسيع عليهم في الرزق”(27).
3- من البؤس إلى القهر:
ذكرنا أن القهر هو النتيجة النهائية للبؤس. فالحياة في كنف الفقر والحاجة لا بد وأن تؤدي إلى شعور ضاغط بالقهر وعدم القدرة على تغيير الحال، خاصة إذا طال أمد البؤس، والحقيقة أن القوة الضاغطة القاهرة في حياة البؤساء التي يعرض لها طه حسين لا تهيمن على أبطال قصصه بغير نهاية. وإنما هناك بالفعل نهاية، لكنها نهاية تأتي على غير غرار الأفلام العربية القديمة التي كانت تعمد إلى الحلول السعيدة والنهايات المبهجة والمرضية للمشاهد، إن العميد يأبي إلا أن يترك غصة في حلق القارئ الراغب في الراحة، الغارق في نعيم اللامبالاة وانعدام المسئولية. فالقصص جميعها تنتهي نهايات مأساوية مفجعة بحيث تسقط على القارئ كالصاعقة، فتزلزل كيانه ولا تتركه وإلا وقد تركت بداخله أثراً عميقاً لا يمكن أن يُمحى أبداً. هذا إذا كان القارئ لديه شيء من إحساس أو بقية من عقل يمكن أن يعي وأن يتدبر، خاصة إذا كان هذا القارئ ينتمي إلى طبقة الأغنياء أو المسئولين في البلاد كما ذكرنا في بداية بحثنا.
ففي نهاية قصة “صفاء” يموت البطل ميتة شنيعة يتمزق فيها جسده تحت عجلات القطار ويحتز رأسه. “ويعلم الناس قبل أن ينتصف النهار أن الفتى قد نام ينتظر الموت حتى جاءه به قطار الصعيد، وأن صفاء قد أصبحت مزوجة كالمطلقة، فقصمت تلك العقد والتي عقدها القسس والتي لا يفصمها إلا الموت”(29).
ويلقي صالح بطل قصة “صالح” نفس المصير تحت عجلات القطار، فيقول أمين رفيقه بعد أن تقدمت به السن وأصبح رجلاً ذا خطر: “ما زلت أرى تلك الجثة قد ألقى عليها ثوب غليظ، ولكني أنظر إلى وجهها فلا أرى وجه سعيد، وإنما أرى وجه صالح، ومع ذلك فلم أر صالحاً حين أكله القطار(30). وفي وصف بارع يصور العميد لحظة انتحار قاسم في قصة “قاسم” غرقاً في النهر، مصوراً لحظة التحول الدقيقة التي تفصل ما بين الوجود والعدم، ليموت قاسم موتة أقل عنفاً وقسوة من موتة بطلي قصتي “صفاء” و”صالح”، إلا أنها تحمل مغزى فلسفياً وبعداً وجودياً لا يمكن أن تخطئه العين، فيقول: “قد أظلمت عيناه وسدت أذناه، ومضى أمامه كأنه السهم الكليل الفاتر تدفعه قوة كليلة فاترة، وجعل يمضي أمامه ويمضي مترفقاً، حتى أحس أنه يخطو في فراغ، ثم أحس برداً يأخذه من جميع أقطاره، ثم لم يحس شيئاً، ولم يحسه شيء، وإنما مضى إلى الغيب كما تمضي في كل لحظة أشياء كثيرة إلى الغيب”(31).
ولأن الموت يبدو للإنسان وكأنه واقعة تحدث للآخرين على نحو ما بين هيدجر في وجوديته الزمانية، فإن العميد يحرص على أن يصف وقائع الموت التي يختم بها قصصه مرة من جهة الشخص الواقع عليه الموت ومرة من جهة الناس الذين يتلقون خبر الموت. ففي قصة قاسم “يقول: “وما من شك في أن الشمس قد أشرقت بعد ذلك بنورها، وفي أن المدينة امتلأت حياة ونشاطاً، وفي أن الناس اضطربوا في أعمالهم بما يضطرب في قلوبهم من نزعات الخير والشر، وفي أن أمونة وابنتها قد انتظرتا أن يعود إليهما قاسم كما تعودتا أن تنتظرا كلما سعى إلى النهر من آخر الليل، ولكنهما أطالتا الانتظار، ولم تظفرا منه بشيء”(32).
وفي قصة “خديجة” التي تموت غرقا في النهر على نحو ما حدث لقاسم يصف العميد واقعة الموت من وجهة نظر الآخرين قائلاً “ذهبن إلى النهر فرحات مرحات، وعدن إلى القرية كاسفات البال بائسات النفوس. وافتقدت خديجة حين تقدم النهار قليلاً فلم توجد، وإنما وجدت على شاطئ النهر، وفي مكان بعيد من حيث تعود النساء أن يملأن جرارهن، جرة مملوءة وإلى جانبها بعض الحلي، والتمست خديجة في النهر فلم يظفر بها الباحثون”(33).
وبنفس الأسلوبية يصور العميد حادثة غرق “أم تمام” في قصة “المعتزلة” فيقول “ويراها بعض أهل القرية ذات يوم قد خرجت قبل أن يرتفع الضحى، وأخذت بيد ابنتها، وجعلتا تسعيان في بطء نحو الغرب، فيقول بعضهم لبعض هذه أم تمام قد ملت البطالة، وسئمت الكون وشق عليها وعلى ابنتها الجوع، فخرجتا تلتمسان الرزق وتبتغيان من فضل الله. ولكن النهار لا يكاد ينتصف حتى يأتي نفر من الفلاحين يحملون جثة قد شاع فيها الموت، وجثة أخرى تمتنع على الموت امتناعاً، قد رأوا أم تمام تغرق نفسها وابنتها في القناة الإبراهيمية، فأسرعوا إلى استنقاذهما، ولكن الموت سبقهم إلى الشيخة، وسبقوه هم إلى الصبية”(34).
والمُلاحظ أخيراً، أن الشخصيات البائسة التي حصدها الموت، سواء ذهبت هي إليه بدافع من البؤس ومن القهر أو أتى هو إليها فجأة، إنما كان موتها بالنسبة لوعي الآخرين يمثل نوعاً من الفقد والغياب، فبعض الحادثات تعمد طه حسين أن يتركها دون برهنة على حقيقة وقوعها، فقط حرص على تجسيد معناها ودلالاتها كما رآها الآخرون وعايشوها وتنبع جمالية الإبداع هنا من أن تماهي وقائع الموت مع معاني الفقد والغياب، إنما يتسق ونظرة العميد للبؤساء باعتبار أن وجودهم المفرط يتساوى لدى الآخرين بالعدم. ويتأكد هذا المعنى من حرصه على تصوير موقف الآخرين من النهايات المأساوية التي تصيب أبطاله بينما يمضي الناس في حياتهم ويتقلبون في أحوالهم وكان شيئاً لم يحدث. وليس هناك أبلغ من خاتمة قصة “قاسم” تعبيراً عن هذا المعنى، عندما يقول العميد: “ولكن الغريب أن الأحياء من الناس الذين أتيحت لهم قلوب تشعر، وعقول تفكر، ونفوس تميز بين الخير والشر، ونعيم كان خليقاً أن يلفتهم إلى جحيم البؤس، هؤلاء الناس يمضون حياتهم كما يمضي الليل والنهار إلى غايتهما، لا يحفلون بأمونة ولا بسكينة ولا بقاسم، شغلتهم أنفسهم عن كل شيء وعن كل إنسان”(35).
الهوامش:
1- طه حسين، ما وراء النهر (القاهرة: دار المعارف، الطبعة الرابعة، دون سنة نشر) ص ص 5-6.
2- المرجع السابق، ص 9.
3- نفسه، ص 10.
4- د. كمال الدين عيد، أعلام ومصطلحات المسرح الأوربي، (الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، سنة 2006م)، ص 108.
5- المرجع السابق، نفس الموضع.
6- طه حسين، المعذبون في الأرض، (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، سنة 2013م) ص 17.
7- المرجع السابق، ص 19.
8- نفس المرجع، ص ص 25 – 26.
9- نفسه، ص33.
10- نفسه، ص 39.
11- المرجع السابق، نفس الموضع.
12- المرجع السابق، ص 24
13- نفسه، ص 51.
14- نفسه، ص ص 53-54
15- نفسه، ص 73.
16- نفسه، ص 74.
17- نفسه، ص ص 8-9
18- نفسه، ص 14.
19- المرجع السابق، نفس الموضع.
20- نفس المرجع، ص 18.
21- نفسه، ص 19.
22- نفسه، ص ص 30 – 31
23- نفس المرجع، ص 31.
24- نفسه، ص 42.

