د. ماهر عبد المحسن
بالأمس كنت أقلب في أوراقي القديمة، فعثرت على عدد من الصحف اليومية التي كنت احتفظ بها وقت ولعي بأرشفة الأحداث التي هزت الرأى العام و كان لها حضور طاغ في وعي الناس وقت حدوثها، لما تضمنته من غرابة، و من إثارة، و من تشويق، مثل حادثة الشاب الذي كان يعتنق فلسفة شرقية و قام بقتل والديه المتدينين، أو حادثتي الاغتصاب الشهيرتين اللتين وقعتا لفتاتي المعادي و العتبة، أو حادثة المرأة التي لم تكتف بقتل زوجها وإنما قامت بتقطيع جسدة إلى أجزاء منفصلة وزعتها في أكياس بلاستيك، أو قصة القس المشلوح الذي كان يستدرج النساء ليقوم بممارسة الجنس معهن في أحد الأديرة . إلا أن القصة التي استوقفتنى في هذه الأوراق، فهي قصة ذلك الرجل الذي كان يمتلك محلا للكباب و الكفتة في ميدان الجيزة . وقد ذاعت شهرته حتى أن الناس كانت تأتي إليه من محافظات أخرى خارج القاهرة لتأكل عنده. وفي أحد الأيام اكتشف رجل طيب بطريق الصدفة أن اللحمة التي يقدمها هذا الرجل لحمة حمير، فأبلغ عنه و تم القبض عليه وبدأت إجراءات محاكمته. حتى هنا و القصة تقليدية و متكررة، و لا أعتقد أن أحدا لم يسمع في حياته عن تاجر كان يبيع لحم الحمير أو الكلاب أو القطط، لكن الجديد أن الأحداث لم تقف عند هذا الحد، ولكن هذا الرجل لفرط طيبته لم يكتف بالإبلاغ عن صاحب المحل، وإنما أراد أن يكمل جميله ويعوض الناس سنوات الخداع، فقرر أن يفتح محلا للكباب و الكفتة فى نفس الميدان يقدم لحما صالحا للاستخدام الآدمي، ويناسب في نفس الوقت الطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل. أقدم على هذه الخطوة دون أي خبرة أو معرفة مسبقة بأعمال التجارة، فقط كان يمتلك المال و نبل الغاية. في البداية بدأت الناس تتوافد على المحل بأعداد متزايدة، و بدأت شهرة المحل تتجاوز القاهرة لتصل إلى بعض المحافظات الأخرى، إلا أنه بمرور الوقت بدأ الناس يشعرون بعدم الارتياح و بأن ثمة شىء ما مفقود فيما يقدمه هذا المحل، هل مستوى الخدمة ؟ هل نوعية اللحم ؟ هل ثمة خلطة سحرية مفتقدة؟ لم يكن أحد يعرف. تزامن ذلك مع حملات قام بها أبناء الرجل صاحب المحل الأول و عمال المحل والتجار الذين كانوا يقومون بتوريد الحمير للمحل، لتشوية سمعة المحل الجديد، مرة باتهامه بعدم الخبرة وسوء الإدارة، ومرة بإطلاق الشائعات حول نوعية اللحم الذي يقدمه والادعاء بأنه لحم كلاب و حمير. أتت الحملة بنتائج سريعة، فساءت سمعة المحل، وقل الإقبال عليه، وفى نفس الوقت كان صاحب المحل الأول قد حصل على البراءة عن طريق الرشوة و العلاقات، وفى يوم خروجه قرر أولاده و معاونوه أن يعيدوا افتتاح المحل، و لكن بعد اغلاق المحل المنافس و القضاء على صاحبه. خرج الرجل و أولاده و عماله وجيرانه ومعاونوه حاملين العصى و السلاح، متجهين صوب المحل الأخر. و بالرغم من أن عددهم لم يكن كبيرا إلا أن المفاجأة كانت في الحشود الكبيرة التي انضمت للموكب في الطريق، حتى امتلأ الميدان عن آخره، وفي لحظة فارقة تم الانقضاض على المحل وتحطيمه وإشعال النار فيه، ثم سحل صاحبه على أرض الميدان وسط فرحة هيستيرية عارمة وانطلاق حاشد للبالونات و الصورايخ الملونة .
الذي استوقفنى في هذه القصة عن باقي القصص الأخرى، هو أن الحشود التي خرجت تؤازر صاحب المحل الأول و أعوانه، لم تكن تدافع عن حق و لا تملك وجهة نظر، فقط هم كانوا زبائن المحل الذين قضوا عمرهم يأكلون فيه، و من ثم اعتادت معداتهم على لحم الحمير!

