د. ماهر عبد المحسن
تجاوزت أعمال المفكر الكبير عبد الرحمن بدوي المائة والخمسين كتابا، تراوحت ما بين التأليف والترجمة، وتناولت موضوعات شتى في الفلسفة الغربية والإسلامية والعربية. والمدقق لهذه الأعمال، بالرغم من تنوعها وضخامتها، سيلحظ أن لبدوي أفكارا محورية تدور حولها، وأن ثمة هاجسا يشغله أو رؤية عامة تهيمن على مجمل هذه الأعمال. فبدوي منشغل دائما، في مؤلفاته وترجماته، بكل ما هو روحي وإنساني، وبهذا المعني يمكننا أن نفهم سر اهتمام بدوي بالوجودية في الثقافة الغربية، وبالتصوف في الثقافة العربية والإسلامية، ليس هذا فحسب، بل إنه يمضي في هذا الطريق إلى نهاية الشوط بحيث يتناول تاريخ الإلحاد في الإسلام في أحد أعماله، ويتوقف عند الشخصيات القلقة في الإسلام في عمل آخر.
إن لبدوي، كما يتبدى من مؤلفاته واختياراته، رؤية خاصة للتجربة الإنسانية والروحية التي تقف وراء القلق الوجودي، وكذا اتجاه الفلاسفة والعلماء نحو الإلحاد، ليس هذا، فحسب، بل إنه يضع هذه الظاهرة في سياقها التاريخي والحضاري، الذي يجعل منها ضرورة تطورية لتقدم الأمم وارتقائهم. وإذا بحثنا عن مفهوم يمكن أن يعبّر عن هذه الرؤية، فلن نجد أنسب من فكرة “الإنسان الكامل”.
فماذا تعني فكرة الإنسان الكامل عند عبد الرحمن بدوي؟
1- مفهوم الإنسان الكامل:
في كتاب “الإنسان الكامل في الإسلام” يقدم عبد الرحمن بدوي ترجمة لمجموعة من النصوص الصوفية التي تعبّر عن فكرة الإنسان الكامل، يضعها كملاحق لدراستين هامتين في الموضوع ، الأول بعنوان “نظرية الإنسان الكامل عند المسلمين.. مصدرها وتصويرها الشعري” لمؤلفها هانز هينرش شيدر، والثانية بعنوان “الإنسان الكامل في الإسلام وأصالته النشورية” لمؤلفه لوي ماسينيون.
وتذهب الدراستان في اتجاه تاريخي متعمق، للوقوف على حضور الفكرة في الثقافة الإسلامية بشقيها الديني والدنيوي، غير أن التصدير القصير، الذي لا يتجاوز الصفحة الواحدة الذي كتبه بدوي للكتاب من شأنه أن يعكس لنا مفهوم بدوي عن الفكرة، وتجليها في التاريخ الإسلامي. وفي هذا السياق يمضي بدوي بخطى هيجلية لكي يرصد تطور الفكرة في تاريخ الحضارة الإسلامية، فيقول:
“بين تأليه الإنسانية وتأنيس الألوهية، سعت فكرة “الإنسان الكامل” في الحضارة الإسلامية حتى تعبر هوة اللانهاية بين المخلوق والخالق، تلك الهوة التي انبثقت من ينبوع الروح السحرية، فكانت مصدرا مزدوجا لقطبين متناقضين: لديانتها، وإدانتها”(عبد الرحمن بدوي، الإنسان الكامل في الإسلام، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٧٦م، ط٢، ص٥).
ومن الواضح أن تطور فكرة الإنسان الكامل عند بدوي تمضي في صراع دائم بين ما هو إلهي وما هو إنساني، ما هو ديني وما هو دنيوي، ومن خلال هذا التفسير يكشف بدوي عن الأسباب التي تدفع البعض للخروج على الدين، فالإفراط في العبودية يؤدي إلي التفريط في الحرية، حتي أن الذين ينجحون في استرداد هذه الأخيرة وتحقيق شيء من التحرر يقعون في شرك الإدانة من قبل الذين ألفوا العبودية، فيقول بدوي في هذا المعنى:
“وفي حنايا هذا السعي الجميل تلبثت مرارا لتستروح أنسام الانعتاق من أسر العبودية التي فرضتها على نفسها أزلية أبدية، حتى عُدت الحرية التي استباحتها لذاتها في لحظاتها العالية لونا من التجديف، بل الكفران”(الموضع نفسه).
ويربط بدوي بين تطور فكرة الإنسان الكامل ومصير الوجود الإنساني في الحضارة الإسلامية، فيقول:
“فما من عجب بعد هذا في أن يكشف لنا تطور هذه الفكرة عن مصير الوجود الإنساني في تلك الحضارة: أعني عن مطامعه ومصارعه. عن ملاهيه ومآسيه”(نفسه).
ولا يخفى أن الحديث عن المطامع والمصارع، وعن الملاهي والمآسي، إنما هو استدعاء لإنسانية الإنسان في شكلها الطبيعي بنحو ما يُمارس على أرض الواقع، فمفهوم الإنسان يحمل داخله عناصر القوة وعناصر الضعف، فالإنسان الكامل عند بدوي ليس سوبرمان كما كان عند سلامة موسى، الإنسان الكامل يستمد كماله من الجمع بين النقيضين: العلم والخرافة، الإيمان والإلحاد، ويمكن لهذه الكلمات أن تقربنا أكثر من المعني، فيقول:
“والفكرة بدأت دنيوية، وانتهت أخروية، في تواز تام مع مآل الروح العربية، التي استهلت وجودها حيّة قوية، أعني إنسانية ، ثم خرجت سريعة… علّه الاستقطاب الذي مزقها فأسلمها في نهاية المطاف إلى قوى خارقة أعني لا إنسانية”(نفسه).
2- الإنسان الكامل والنزعة الإنسانية:
في تعريفه للإنسان يظل بدوي محتفظا بفكرة الجمع بين النقيضين، لأنها الأقدر على تفسير سلوك الإنسان وتحديد مكانته الحقيقية في الوجود، فيقول:
“الإنسان وتر مشدود على الهاوية الفاصلة بين لا نهايتين: الوجود المطلق، والعدم المطلق. ولذا كان وجوده نسيجا من كلا النقيضين، على تفاوت في نصيب كليهما منه وفقا للحظات الزمانية بكل ما تنطوي عليه من إمكانيات تترجم بين المد والجزر في تيار المصير المتوثب للروح. لكن مهما يكن هذا التفاوت وكيفيته، فالينبوع الدافق الثري للوجود الحي هو دائما الإنسان، والإنسان فحسب”(عبد الرحمن بدوي، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٨٢م، ص١٣).
والنزعة الإنسانية، كما عرفتها الفلسفة الغربية، هي تلك التي ترد للإنسان كل شيء، بحيث يكون هو المقياس، ودون اللجوء إلى أي مرجعية خارجية، حتي لو كانت تعاليم الدين المنزلة، ليس هذا فحسب، بل إنها تقضي على تلك القسمة الثنائية التي تجعل الإنسان مجرد طرف في علاقة غير متكافئة مع الله. ويري بدوي، وفقا للحضارة الغربية، أن علاقة الخالق والمخلوق محض مرحلة، ينبغي أن يعقبها مرحلة أخرى أكثر نضجا واستقلالية، لا يعتمد فيها الإنسان على قوى عليا، وأن هذه المرحلة تتحقق في كل الحضارات بعد تمام دورتها التي تختلف مدتها من حضارة إلى أخرى، فيقول:
“وهذا العود المحوري إلى الوجود الذاتي الأصيل هو ما يسمى في التاريخ العام باسم “النزعة الإنسانية”. ولابد لكل حضارة ظفرت بتمام دورتها أن تقوم روحها بهذا الفعل الشعوري الحاسم. ولهذا كان علينا أن نتفقده في الحضارات التامة على تعددها”(المرجع السابق، ص١٤).
ومعنى أن الإنسان مقياس كل شيء أن العقل مركز الكون، وأن علاقته بالطبيعة هي علاقة سيطرة، فعلى الذات أن تغزو الموضوع، وأن تستخدم أدوات العالم لتحقيق إمكانياتها الذاتية. غير أن الأمر الهام هنا، هو تحديد معنى العقل الذي تعول عليه الإنسانية من أجل فرض سيطرتها. فهو ليس ذلك العقل الجاف الذي يشبه الآلة، بحيث ينتج أفكارا مجردة ومفاهيم جامدة، لا حياة فيها، ، لكنه، بنحو ما عبّر بدوي:
“هو الوعي الكامل للذات الإنسانية في مواجهتها للموضوعات الخارجية، وهو لهذا يواكب العاطفة ولا يعاديها. ويتكئ على الحس العيني الحي. ولهذا تمتاز تلك النزعة بخاصة خامسة هي النزعة الحسية الجمالية، التي تميل إلى الرجوع إلى العاطفة واستلهامها إدراك الوجود في بعض أنحائه”(نفس الموضع).
وتعتبر النزعة الإنسانية واحدة من الخصائص البارزة في الحضارة العربية، وهي ترمي إلى الارتفاع بالقيم الإنسانية الخالصة في مقابل القيم الإلهية والنبوية، ويرصدها بدوي لدى الشعراء، وبخاصة تلك الجماعة المعروفة ب “عصابة المجان” بنحو ما أطلق عليها ماجنها الأكبر أبو نواس، وفي هذا الصدد يقول بدوي:
“فما يُنسب إليهم من عبث وشك إنما كان يقصد به إلى السمو بكل ما هو إنساني أرضي حسب ما يشعر بمعنى الأرض، وإلى الحط من كل ما هو فوق أرضي، بوصفه وهما زائفا ينتزع الدم والحياة من الإنسان الحقيقي، الإنسان المكون من لحم ودم”(عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، سينا للنشر، القاهرة، ط٢، ١٩٩٣م، ص١١).
3- الإنسان الكامل والنزعة الصوفية:
اهتم بدوي بالنزعة الصوفية واعتبرها تجربة وجودية مهمة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، أو بعبارة أخرى، اعتبر التصوف في الحضارة العربية هو المقابل، أو المعادل الشرقي للوجودية في الحضارة الغربية، حتي أن الكثير من أعماله، ترجمة وتأليفا، توزع ما بين هذا وذاك، وفي كل الأحوال يظل مفهوم “الإنسان الكامل” هاجسا مسيطرا على فكر بدوي، ويعد مفتاحا مهما لفهم فلسفته الخاصة التي تقف وراء أعماله على غزارتها. كما تعد فكرة الجمع بين النقيضين، كسمة مميزة للإنسان الكامل، نقطة انطلاق جيدة للدخول إلى عالم بدوي الممتد، والمتشعب، بين الحضارتين.
ولكي يؤسس بدوي لفكرة الإنسان الكامل في التصوف الإسلامي، باعتبارها فكرة جامعة للأضداد، يقوم بتحليل العناصر البيئية التي نشأ فيها التصوف في بلاد العراق تمهيدا للحديث عن واحدة من أبرز المتصوفة في تاريخ الحضارة العربية، وهي رابعة العدوية فيقول:
“تلك هي مدينة البصرة… كيما تكون فيها نقلة بين البادية والحضر، بين الخشونة الزائدة الصلبة القاسية الإيمان وبين الترف الناعم الهائم في أوداء القداسة الشهواني. ولقد جاءت مزيجا من هذين الطرفين المتباعدين في تخطيطها ومساق الحياة فيها، وكانت روحها مسرحا لمأساة هذا الازدواج المتوتر العنيف في طبيعتها. وبهذا الاستقطاب طبعت نفوس ساكنيها”(عبد الرحمن بدوي، شهيدة العشق الإلهي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٦٢م، ط٢، ص٣).
وينتقل بدوي في الفقرة التالية ليربط بين الطبيعة المزدوجة لمدينة البصرة والطبيعة المتعارضة لروح ساكنيها، فيقول:
“ففي روح كلٌّ تسكن طبيعتان متعارضتان: إحداهما تتلمس غذاءها من قوت الحواس، والأخرى تستشرف إلى قوت القلوب. ولن تستطيع إحداهما القضاء على الأخرى، بل سيظل التعارض قويا عنيفا، وفي عنفه يقوم ذلك التوتر الحي الذي يجعل من حياتهم مصدرا للتشويق لا يقل في قيمته عن مذاهبهم”(المرجع السابق، ص ص ٣-٤).
ولا يتوقف بدوي عند هذا الحد، لكنه يمضي في تحليله المتعمق إلى نهاية الشوط بحيث يجعل من الذات المتصوفة واقعة فريدة في التاريخ، لا تنتهي بالوفاة وإنما تستمر شعلتها تضئ الطريق للسالكين اللاحقين. والمتصوفة بهذا المعنى يمثلون واحدة من الأوجه المتعددة التي يمكن أن تتجلى فيه روح الإنسان الكامل، وفي هذا السياق يقول بدوي:
“إن حياة هؤلاء بعد وفاتهم أقوى بل وأصدق. لذا يجب أن نعد فترة عبورهم في الدنيا بمثابة زناد يقدح الشرارة المقدسة التي هي ذاتهم. وستستمر تلك الشرارة تضئ للناس قدرا من الزمان يتوقف على قوة الشرارة الأولى”(الموضع نفسه).
ومن هذه الرؤية ينطلق بدوي للدعوة إلى منهج في البحث التاريخي يستوعب هذه الطبيعة الخاصة لهذا الصنف من البشر، ويقوم على فكرة الجمع بين الأضداد، وتحديدا التاريخ والأسطورة، وهو لون من المزج بين الواقعي والخيالي، يذكرنا بالواقعية السحرية في الأدب، فنقرأ:
“والذوات الوجودية التي من هذا القبيل تحيا في الأسطورة كما تحيا في التاريخ، لأن التاريخ يستحيل عندها الى أسطورة، والأسطورة تستحيل إلى تاريخ. فلا تستطيع أن تميز بين الجانبين بوضوح… فمن الخطأ البين في الفهم التاريخي السليم أن نطرح جانب الأسطورة، لأن هذه الأسطورة لحمه التاريخي الحقيقي الحي لتلك النفوس الخارقة”(نفسه).
وكما نجح بدوي في تأسيس التاريخ على الأسطورة، والأسطورة على التاريخ عن طريق إذابة الحدود التي بينهما، والنظر إليهما بوصفهما كيانا واحدا يحمل النقيضين في باطنه، فإنه يعمل، بالمنطق نفسه، على تأسيس العلم على التصوف، وتأسيس التصوف على العلم باعتبارهما وجهين لشيء واحد، فيقول:
“وهذان الجانبان: الصوفي والعلمي، متكاملان أو هما وجهان لشيء واحد هو العلم الإنساني القائم على قدرة الإنسان غير المحدودة على اكتناه أسرار الطبيعة والتأثير فيها”( الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، مرجع سابق، ص٥٤).
4- الإنسان الكامل والنزعة الوجودية:
كما ارتبطت النزعة الصوفية بفكرة الإنسان الكامل، ارتبطت أيضا الوجودية بها، وكما ذكرنا فإن بدوي يربط بين التجربة الصوفية في الحضارة الإسلامية وبين التجربة الوجودية في الحضارة الغربية. وفي سبيل تحقيق هذا الربط، يميل إلى النظر للتجربة الصوفية على أنها ذات أبعاد وجودية، أو أن ثمة وشائج للقربى بين التجربتين، فيقول:
“بين كلتا النزعتين: الصوفية والوجودية، صلات عميقة: في المبدأ والمنهج والغاية. في المبدأ لأن كلتيهما تبدأ من الوجود الذاتي، وتقيم في أحواله مقولات عامة للوجود، وهي بالتالي تجعل الوجود سابقا على الماهية ضد كل فلسفة تصورية”(النزعة الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، مرجع سابق، ص٧٣).
فالوجود الذاتي هو المقابل للوجود الفيزيقي، وهو عند المتصوفة الوجود الحقيقي، الذي يحتل المنزلة الأعلى، والعلم بالوجود الذاتي يفوق العلم بالوجود الفيزيائي، لأن بلوغ غاية الحكمة إنما يبدأ من الداخل عن طريق المعرفة الفلسفية المجردة، تمهيدا لبلوغ التجربة الذوقية الصوفية. وبناء على هذا الفهم يعمل بدوي علي تجاوز التفسير النفسي للتجربة الصوفية، والتأكيد علي النزعة الوجودية الكامنة فيها عندما يقول:
“فهي ليست مجرد تحليلات نفسية شخصية لأحوال فردية تؤخذ على هذا الأساس النفسي الفردي، بل هي في جوهرها تحليل للوجود الذاتي بوصفه الوجود الحقيقي، كما تقول النزعة الوجودية تماما. ومن هنا كان الخطأ الأكبر في إدراك المقصود الأبعد للتصوف: أعنى أن لا يؤخذ على أنه نظرة في الوجود”(المرجع السابق، ص٧٤).
والحقيقة أن ثمة أوجها للشبه كثيرة بين النزعتين الصوفية والوجودية تربطها فكرة الإنسان الكامل، لعل أبرزها فكرة الصوفي الكامل في التصوف التي تناظر فكرة الأوحد في الوجودية خاصة عند كيركجورد. وفكرة النزعة الإنسانية، حيث يتم تأليه الإنسان في التصوف، ووضع الوجود الإنساني مكان الوجود المطلق، كما أن الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها الوجودية، وهي أن الوجود سابق على الماهية وأكبر منها حقيقة، يجد لها بدوي تعبيرا واضحا في الأوساط الإشراقية، خصوصا تلك التي عنيت ببيان الوجود المطلق والوجود العقلي للصورة في معارضتها النزعة المثالية، كما أن فكرة العدم عنصرا مشتركا بين التصوف والوجودية، خاصة عند هيدجر من ناحية والصوفية الإشراقية من ناحية أخري.
غير أن الفكرة المشتركة ذات الأهمية الكبيرة بين الصوفية والوجودية هي فكرة “القلق”، وهي فكرة ذات عمق إنساني مهم، بحيث لا تجد صعوبة في العثور عليها لدى الاتجاهين. وفي هذا السياق، نجح بدوي في أن يضع يده على واحد من التعريفات الصوفية لخبرة القلق شديدة القرب من التعريف الوجودي الذي قدمه هيدجر. والتعريف الذي قدمه هذا الأخير، بنحو ما شرحه بدوي، هو كالتالي:
“إن الذي يكشف عن العدم في مذهبه هو الحالة العاطفية المعروفة بالقلقAngst إذ في هذه الحال نشعر بأننا معلقون، يحملنا القلق، مشعرا إيانا بفرار الموجود بأسره وانزلاقه، الموجود الذي نحن من بينه، ولا وجود في هذا الانزلاق الشامل إلا للذات المحققة بحضورها في القلق، وإن كان حضورا معلقا في الهواء، وإذا بنا فريسه للعدم، فيرتج علينا القول، لأن كل قول يؤذن بوجود، والموجود قد انزلق في هذا البحران”(نفسه ، ص٨٨).
والتعريف الذي، يشبه تعريف هيدجر، وعثر عليه بدوي في كتاب “جامع الأصول في الأولياء” للشيخ أحمد ضياء الدين النقشبندي، هو:
“القلق: وهو ها هنا تحريك الشوق صاحبه، بإسقاط صبره. وصورته في البدايات: تحريك النفس إلى طلب الموعود، والسآمة عما سواه في الوجود. وفي الأبواب: قلق يضيق الخلق فيبغّض إلى صاحبه الحياة، ويجيب إليه الموت. وفي المعاملات: توحش عما سوى الحق، وأنس بالوحدة والتخلي عن الخلق. وفي الأخلاق: الانخلاع عن الصبر والطاقة، لما يجد من الأوقات للحق ولقائه”(نفسه ،ص ص٨٨-٨٩).
والملاحظ في التعريفين استخدام ألفاظ تدل على الحركة، الفرار والانزلاق لدي هيدجر والتحريك والانخلاع لدى النقشبندي، وهي دلالة مهمة لفهم معنى الإنسان الكامل من ناحية، ولفهم فلسفة بدوي من ناحية أخرى. غير أن السير مع بدوي إلى نهاية الشوط يصل بنا إلى نتيجة مغايرة، مؤداها أن خبرة القلق زمنية، لكنها زمنية من نوع خاص، لأنها ترتبط بالزمن الحاضر، دون الماضي و المستقبل. فالقلق، في التصوف، تجربة ذاتية خالصة متجردة من كل أحوال العالم، بحيث تبدأ في التحرك نحو طلب الموعود وتنتهي بالعدم، فيقول:
“إن القلق يعبّر عن الآن الحاضر، ويقوم في الآن. خصوصا لأننا لا نشعر فيه بالحركة، والأن كما نعرف لا تجري فيه حركة، والشعور بالآن لا يتم حقا إلا في حالة القلق الهائل، ولارتباط القلق بالآن، نرى كيركجورد يربط بين السرمدية والقلق، فيقول إن القلق صلة ما بين الزمان والسرمدية”(نفسه، ص٩٦).
ومن الواضح أن بدوي يتحدث عن التجربة الذاتية في حد ذاتها، بمعنى أنه يرصد المعنى العميق للقلق كخبرة وجودية، فالقلق يستحوذ علي الذات دفعة واحدة، بحيث تقيم الأنا في حضرة اللا شئ عدا معايشة القلق والانهمام به، وفي هذا المعنى يقول:
“إن القلق يكشف عن العدم عند هيدجر، وإننا نشعر في تلك الحال بانزلاق الموجود بأسره، أي أننا نشعر بانتفاء التعينات فيصبح الوجود فى حالة هوية مطلقة، هي والعدم سواء”(نفسه، ص٩٧).
وهنا يثور التساؤل عن مصير هذه التجربة الوجودية العميقة، هل تقف الذات عند حدود القلق؟، أي هل تقنع بهذه الهوية المطلقة، التي هي والعدم سواء؟!
في الحقيقة أن الإجابة على هذا التساؤل من شأنها أن تكشف لنا عن الفروق الدقيقة التي بين التجربة الصوفية والتجربة الوجودية، فالأولى تقف عند حدود التأمل الباطني وتميل إلى الزهد. فالتجربة الصوفية، طابعها الذوق، أي أن المتصوف يبلغ غاية مسعاه عندما يذوق حلاوة التخلي عن العالم وشواغله، في حين أن الوجودية، خاصة عند سارتر، ليست مجرد خبرة ذاتية تبدأ من الأنا وتنتهي إليها، لكنها بالأحرى، موقف من العالم، أي أنها خبرة تضم بين جنباتها كلا من الذات والموضوع. لهذه الأسباب ينادي سارتر بالحرية المسؤولة، وبالالتزام، ومعنى أن الوجود يسبق الماهية، أن ثمة مهمة عملية على الذات أن تقوم بها في العالم، لأنها هي التي سيقع عليها عبء تحقيق الهوية.
إن مشكلة بدوي أنه اعتمد على وجودية هيدجر، وهي وجودية تجريدية، تميل إلى التأمل، وتثير قضايا معرفية بنحو أكثر، وربما كان هذا هو السبب في كونها تحمل سمات مشتركة مع التصوف. فكلمات “الانزلاق” و”الفرار” إنما توحي بالابتعاد عن الوجود والاقتراب من الذات في هويتها المطلقة. وبهذا المعنى لا تنبئ خبرة القلق، سواء في التصوف أو الوجودية، عن حركة خارجية تعقب الشعور بالقلق. فهل كان بدوي معنيا بمجرد الربط بين التصوف والوجودية بنحو نظري معرفي أم كان يرغب في تحويل التصوف التأملي الذوقي إلى نشاط فاعل في العالم؟ بعبارة أخرى، هل كانت كتابات بدوي ، في هذا السياق، آتية من منطلق هم نظري، خاصة أن رسالته في الماجستير كانت حول مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية وأطروحته في الدكتوراة كانت في الزمان الوجودي، أم جاءت من منطلق الشعور بأزمة حضارية؟
يجيب بدوي على هذا التساؤل بوضوح، عندما يحدد فائدتين جليلتين لدراسته حول الصوفية وأحوالهم الوجودية قائلا:
“الأولى أن نقدّر هذه المذاهب الصوفية حق قدرها ونضفي عليها نورا وهاجا من التفسير الوجودي الحديث، حتى تتبدى بكل ثرائها وقيمتها الحقيقية. والثانية أن يكون في هذه الدراسة من جانبنا نوع من الاستفادة والاستلهام، واتخاذ نقطة بدء في مذهبنا الوجودي العربي الذي نود أن نجعل منه فلسفتنا الجديدة في الحياة والوجود”(نفسه، ص٩٩).
والفائدة الثانية تكشف لنا أن بدوي، مثل معظم مفكري النصف الأول من القرن العشرين، كان مهموما بقضية الوجود العربي ورغبته في أن يكون للعرب فلسفة خاصة بهم، تنظم لهم رؤيتهم في الوجود وحركتهم في الحياة، حتي لو جاءت هذه الفلسفة مستلهمة من فلسفة الآخر الغربي، ليس هذا فحسب، بل إنه يدرك مآخذ الوجودية المتأسسة على فلسفة هيدجر وياسبرز، كونها وجودية صورية خالصة، ويقترح وجودية كيركجورد، الحية، بديلا عنها، فيقول:
“إن كيركجورد فيلسوف وجودي، بينما هيدجر ويسبرز فيلسوفان في الوجود، أو مفلسفان للوجود. فكما يقول نقولا برديائيف الذي أبرز خصوصا هذه التفرقة إن كيركجورد يريد أن تكون مجرد بحث في الوجود. أما الفلسفة كما هي عند هيدجر ويسبرز فما هي إلا فلسفة في، أو تتخذ موضوعها ، الوجود”(نفسه، ص١٠٣).
إن بدوي لا يرغب في نقل فلسفة الآخر، أو التأسيس عليها، لكنه يريد فقط استلهام حركته التي بدأت من كيركجورد حتى وصلت إلى شكلها الحالي لدى فلاسفة الغرب المعاصرين. وذلك بأن يضع الحركة الصوفية كنقطة بدء في الفلسفة العربية وصولا إلى الوجودية في شكلها الحالي عند الغرب، بحيث يلعب التصوف في الحضارة العربية الدور نفسه الذي لعبه كيركجورد في الحضارة الغربية. لهذه الأسباب اختار بدوي من التصوف نماذج إنسانية تقترب تجربتها الوجودية من تجربة كيركجورد مثل الحلاج والسهروردي وابن سبعين من أصحاب التجربة الوجودية الحية.
وبهذا المعنى، يمكننا القول إن بدوي لم يرغب في الوقوف عند خبرة القلق بمعناها السكوني الذي أسس له هيدجر، وإنما أراد أن يتحرك بعيدا عن الخبرات الداخلية للذات والاتجاه نحو العالم، والانخراط في أحوال الوجود، وهو اتجاه يتناسب مع نظرة بدوي الحضارية للتصوف، والتي نجد صداها مترددا في أكثر من كتاب مثل “تاريخ الإلحاد في الإسلام” و “شخصيات قلقة في الإسلام”. وبشيء من التأويل نري أن بدوي يؤسس لصورة مغايرة عن الإنسان الكامل كما عرفته الحضارة العربية باعتباره الإنسان المثالي الذي تجتمع فيه كل الفضائل. الإنسان الكامل عند بدوي ليس هو الإنسان الأول كما عند فلاسفة اليونان، ولا الإنسان الأخير (المهدي المنتظر) كما في الإسلام، لكنه إنسانا طبيعيا، يعاني صعوبات الحياة، ويصنع أسطورته الخاصة من كونه إنسانا يحمل داخله عوامل القوة وعوامل الضعف، نوازع الخير ونوازع الشر، كما ينطوي صدره على عناصر الشك جنبا إلى جنب نور الإيمان، وفي ضوء هذه المفارقة يتولد القلق الذي يميز الإنسان الكامل عن الإنسان العادي.
وعن هؤلاء الذين يحملون صفات الإنسان الكامل، وتأتي حياتهم ترجمة حية لتجاربهم الروحية العميقة، يقول بدوي في تصدير كتابه “شخصيات قلقة في الإسلام”:
“آن لنا أن ننفذ إلى صميم الحياة الروحية في الإسلام ممثلة في أولئك الذين أشاعوا فيها سورة التوتر الحي، معرضين عن الظاهر الساذج المستقيم إلى الباطن الشائك الزاخر بالمتناقضات. وهم في هذا كله لم يكونوا معبّرين عن أنفسهم الخصبة وحدها بقدر ما كانوا يتجسدون نوازع عامة يسري تيارها العنيف في الأمة المؤمنة كلها، وفي الطبقات المتوثبة منها على وجه الخصوص. ومن هنا فإن الحديث عن هذه الشخصيات نفسها لعرضا للنزاعات المشتركة في طوائف كاملة شاعرة بنفسها في تلك الملة”(عبد الرحمن بدوي، شخصيات قلقة في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٤٦م).
5- الملامح الشخصية للإنسان الكامل:
لم يضع بدوي ملامح شخصية محددة للإنسان الكامل، لكن القارئ لكتاباته لن يجد صعوبة في العثور على هذه الملامح، خاصة أنه تناول عددا من النماذج الإنسانية الأثيرة لديه، والتي جاء احتفاؤه بها يشي بأنه يجد فيها ضالته، كنماذج لها خصوصية في التكوين وخصوبة في التجربة، مثل رابعة العدوية وأبي حيان التوحيدي من الثقافة العربية، وفاوست ودون كيخوتة من الثقافة الغربية.
وإذا أردنا أن نقف على هذه الملامح فينبغي علينا أن نعي أولا، أن هذه الشخصيات، لا تنتمي إلى الأنبياء أو القديسين، ولا تمتلك قدرات خارقة، وإن زعم البعض ذلك، لأن رؤية بدوي عن هذه الشخصيات هي رؤية إنسانية بالدرجة الأولى، وتحليلاته المتعمقة لتجاربهم الحياتية إنما كانت منصبة على الأبعاد الروحية الخاصة لها، والأثر العام الذي تركته في التطور الثقافي والحضاري للإنسانية جمعاء.
وعلى ذلك، هناك حركتان تنتظمان هذه الشخصيات: واحدة روحية داخلية، والأخرى مادية خارجية. الأولى تبدأ من الداخل، وإن جاءت بتأثير من حركة معاكسة يقوم بها المجتمع والظروف المحيطة بالشخصية من الخارج. وتتبدي الأولى في شعور الشخصية بالصراع الداخلي الذي يدفع إلى اتخاذ موقف من العالم والقيام بحركة مضادة تثبت فيها الشخصية ذاتها، وتؤكد وجودها، وفي هذا المعنى يصف بدوى اللحظات الحاسمة التي سبقت توبة رابعة العدوية قائلا:
“ومثل هذه اللحظات مليئة بألوان القلق والعذاب، إنها الليالي الظلماء الحقيقة في تلك النفوس الكبيرة. فكأين من عودات وتقلبات وترجحات تتوالى فيها، أحيانا بسرعه البرق الخاطف! فكانت تتذبذب بين العود إلى الشرارة المقدسة التي أضاءت فترة قليلة، وبين الاستمرار في هذه الحياة اللاهية الناعمة. ولابد أن يكون التوتر قد كان في نفسها شديدا كل الشدة ذلك الحين”(شهيدة العشق الالهي، مرجع سابق، ص٢٠)
ويتبدى الصراع الداخلي واضحا في شخصية دون كيخوتة التي ابتدعها الأسباني ثربانتس، وترجمها بدوي، وكما وضع بدوي رابعة ضمن الشخصيات من أصحاب النفوس الكبيرة، فإنه يضع دون كيخوتة ضمن النماذج الإنسانية العلياا التي يتولد عن صراعها الداخلي ديالكتيك الوجود، فيقول عن هذه الشخصية في تصديره لترجمتها:
“دون كيخوتة تجسُّد للمثال، والقيم المجردة، إنه الجانب المثالي من الوجود، الذي يصرعه الجانب الواقعي، ويظل الصراع بين كلا الجانبين متصلا، لا يفت في عضده انتصار الواقع على المثال باستمرار. ومن هنا كان هذا الدياليكتيك الحي الذي يمثل طرفيه كل من الفارس دون كيخوتة وحامل السلاح سنشو بنثا. ولهذا كانت قصة “دون كيخوتة” هي قصة الوجود نفسه بقطبيه المتنافسين المتصارعين, ومن نزاعهما يتألف ديالكتيك الوجود، وكانت شخصية دون كيخوتة من النماذج الإنسانية العليا”(ثربانتس، دون كيخوتة، ت/ عبد الرحمن بدوي، دار المدى للثقافة والنشر، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ١٩٩٨م، ص٥).
والصراع الداخلي، الذي ينجم عن وجود قوتين متناقضين داخل الذات الواحدة، يعكس شعورا عميقا بالاغتراب تجاه العالم، فعدم القدرة على التوائم مع قوانين العالم الخارجي التي تحكم حركة المجتمع، هي التي تجعل هذه الذات غير قادرة على فهم أبجديات المجتمع. وفي هذا السياق، يعقد بدوي مقارنة بين الأديب الألماني فرانتز كافكا وبين أبي حيان التوحيدي، فكلاهما خاض تجربة حياتية مريرة، وكلاهما عبّر عن تجربته من خلال الكتابة، “كلاهما تهاوت عليه الكوارث والأحزان من كل جانب، وكان له من إرهاف الحساسة ونصاعة الذهن وعمق الانفعال ما يجعله يستمد من هذه الويلات غذاء لروحه ومادة لتفكيره”(الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي، تحقيق وتقديم/ عبد الرحمن بدوي، مطبعة جامعة فؤاد الأول، الجزء الأول، القاهرة، ١٩٥٠م، ص(أ)).
ويرد بدوي معاناة كلا الأديبين إلى أسباب عديدة، أبرزها أنهما نشآ في أسرة تشتغل بالتجارة، والتاجر شخص يهتم أكثر بجمع المال وحيازة الأملاك، وهي مسألة تجافي كل ما هو ثقافي وروحي في الحياة، ومن هنا اختلفت معايير النجاح في الحياة، فما يعده المجتمع معيارا للنجاح أو الفضيلة، لا يكون كذلك بالنسبة لهذا الصنف، صاحب التجربة الخاصة، من الناس.. ” ها هنا صراع بين النافع والضائع، بين الفرض والنافلة، بين الجوهر والفضول. فالإبن الضال يولع بالضائع والنافلة والفضول، لأنه يرى فيها عين الحياة وقيمة الوجود، ولهذا يبغض كل ما يعده الآخر قيمة حقيقية”(المرجع السابق، ص (د)).
ولا شك أن الخلاف القيمي بين الإنسان الكامل وبين المجتمع يدعم فكرة الاغتراب، بحيث يتجاوز الغربة عن الوطن إلى معاني نفسية وروحية أعمق، “فهو في وطنه غريب، وتلك هي الغربة الوجودية ذات المعنى العميق، لأنها إحساس بالوحدة الذاتية المطلقة يحملها الإنسان في داخل نفسه أينما حل وحيثما سار وفي أي وسط كان، فالوطن المادي لا معنى له إذا قيس بالوطن الروحي الذي تقطنه تلك النفوس الشاردة”(نفسه، ص(يا)- ص(يب)).
وكما ذكرنا سابقا، لا يقف الإنسان الكامل، وفقا لقراءتنا الخاصة لبدوي، عند حدود العالم الداخلي للذات بكل ما يموج به من شك أو قلق أو إيمان، فالمعاناة الداخلية ستظل هي الوقود المحرك لهذا الإنسان، ومن هنا تبدأ مرحلة السعي، أي الحركة الخارجية التي بموجبها يمكن أن ينخرط الإنسان الكامل في العالم، ومن ثم يصبح قادرا على التأثير فيه. غير أن المفارقة أن السعي هنا يأتي في كافة الاتجاهات، ومستعينا بكل الوسائل، الممكنة أو المستحيلة، الطبيعية أو الخارجة عن الطبيعة، العالية أو الدنيا، لأن العبرة هي بلوغ الهدف. وليس هناك أنسب من شخصية فاوست لنتخذها نموذجا لسعي الإنسان بطرق خارجة عن الطبيعة ، فيقول بدوي في وصف هذه الشخصية:
“فاوست هو نموذج الإنسان الساعي إلى المزيد من القوة، أو الكمال، بوسائل خارجة عن الطبيعة هي ما يعرف بالسحر بأوسع معانيه، فالمستقبل مجهول، والإنسان يريد معرفة ما سيجيئ به، والقوى الطبيعية الميسورة له قاصرة، فليبحث عن قوة خارقة كي يسخرها لتنفيذ ما يصبو إليه. والطبائع الموجودة في الواقع تقف في سبيله أو تعجز عن أداء ما يطلب، فليلتمس إذا أدوية لتحويلها إلى ما ينجح في تحقيق أغراضه. وتلك مهمة السحر”(فاوست، جيته، ت/ عبد الرحمن بدوي، دار المدى، دمشق، لبنان، ٢٠٠٧م، ط٢، ص٧).
وفي عبارة بدوي “السحر بأوسع معانيه” يكمن السر في القدرة على السعي، فالإنسان الذي يسعى نحو الكمال، هو في الغالب يحمل داخلة موهبة ما تمكنه من بلوغ الهدف، حتي لو تحول الهدف إلى محض موضوع لإبداعات هذه الموهبة، وبهذا المعنى يصنع كل إنسان أسطورته الخاصة وفق الأدوات التي يملكها، فالرواية كانت هي السحر بالنسبة لكافكا، والفلسفة كانت السحر بالنسبة للتوحيدي، والشعر كان كذلك بالنسبة لرابعة، والخيال كان بمثابة العالم السحري لدون كيخوته، كما كان العلم كذلك بالنسبة للرازي والراوندي وابن حيان، بالرغم من المفارقة التي يمكن أن تنجم عن اعتبار العلم سحرا، حيث تنطوي الفكرة المجازية على الحقيقة والخرافة في آن.
غير أننا نرى المسألة في ضوء صوفي روحاني، يرتفع فوق الأضداد، ويتسق مع طبيعة هذه النفوس العالية ذات الطبيعة المجاوزة للمألوف سواء نظرنا إلى المسألة من منظور الحق (المنطق) أو الخير(الأخلاق) أو الجمال(الفن)..”نعم! في هذا السرداب (الذي هو مجال الشعور) تتفجر عيون الخطيئة، لكن الوجود خطيئة، وتضطرم الشهوات، لكن الشهوة سر الحياة، ويسود اللامعقول، لكن اللامعقول هو المنطق الأكبر”(الاشارات والتنبيهات، مرجع سابق، ص(و)).
والحقيقة إن ما يمنح هذه النفوس قوتها الروحية، وقدرتها على اختراق المألوف، إنما هو المعني الخاص جدا للحرية، المعنى الذي يجاوز كل حد، ويكتسح أي عقبة، حتى أن المسألة قد تبدو مرعبة للوهلة الأولى عندما نقرأ لبدوي هذه السطور في وصفه لشخصيات دوستويفسكي:
“فديستويفسكي يختار أبطاله من بين تلك النفوس المبهمة التي تستحل لنفسها ما يدعوه النظام العام إثما، والتي ترى الحرية في فعل الشر أكثر منها في فعل الخير، والحرية عندها لها خير مكانة، لأن حرية فعل الخير هي القيد، كل القيد، إن هي إلا اتباع وخضوع لما فرضه المجموع”(الموضع نفسه).
غير أن الحرية بهذا المعني تضع فكرة الإنسان الكامل في مأزق، لأنها في ميدان العلم تؤدي إلى الإلحاد، وفي ميدان الفن تؤدي إلى القبح، وفي ميدان الاخلاق تؤدي إلى الشر. والخروج من هذا المأزق يمكن أن يتحقق من خلال بدوي نفسه، الذي كان حريصا على أن يفرق، في كتابه “الإنسانية والوجودية في الفكر العربي،”، بين الحرية وعدم الاكتراث، فالأولى صفة محمودة والأخيرة صفة مرذوله، والبون شاسع بينهما، فيقول:
“الحرية الفكرية الصحيحة الخصبة المفيدة هي تلك التي يظفر بها المفكرون عن طريق نضال عال شاعر بذاته، لا عن الإهمال وعدم الاكتراث، لأن هذا لا يؤدي إلا إلى حالة من الموات الروحي”(مرجع سابق، ص ص٤٢-٤٣).
وفي كل الأحوال ينبغي أن تؤخذ فكرة الإنسان الكامل على أنها فكرة غير متحققة على أرض الواقع، وأنها الهدف الأسمى الذي يسعى الإنسان إلى بلوغه، فهي فكرة في طور التكوين، وما النماذج، الحقيقية والخيالية، التي قدمها بدوي إلا علامات على الطريق، أو تجليات مجزأة للفكرة الروحية الشاملة. إنها حالات فريدة للتضحية بالنفس، في التاريخ.
ولا نذهب مع بدوي إلى حد تأليه الإنسان، فالإنسان الكامل، هو في التحليل الأخير إنسان قبل أن يكون أي شيء آخر، وبدوي نفسه يؤكد هذا المعنى عندما يقرر أن الإنسان العادي يمكن أن يبلغ فكرة الكمال عندما يقول:
” فلقد وجدنا أن هذا التأليه والتمجيد لم يكن في سبيل فكرة مجردة لإنسان خيالي، بل في وسعنا نحن بني الإنسان المكونين من لحم ودم أن نبلغ هذه المرتبة ونحققها فعلا وعملا” (نفسه، ص٧٥).
الإنسان الكامل إذن، هو إنسان مفرط في إنسانيته، يسعي إلى الكمال ولا يبلغه، لكنه يظل ملهما للآخرين، ومحركا للتاريخ الروحي للأمم وللإنسانية جمعاء

