د. ماهر عبد المحسن
وضع هيجل المجتمع المدني في مكانة وسط بين الأسرة والدولة، فهو أكبر من الأولى وأصغر من الأخيرة، غير أنه في هذه المكانة يمكنه أن يلعب دورا مميزا في حياة المواطنين. وإذا كانت منظمات المجتمع المدني، من أحزاب ونقابات وجمعيات، هي كيانات اجتماعية يلتف أفرادها حول فكرة نبيلة تجمعهم ولا يستهدفون الربح، فإن المنتظر من هذه المنظمات أن تحقق أحلام الناس التي لا تحققها الدولة، ولا تقدر على تحقيقها الأسرة.
ولما كانت الثقافة من الأمور التي لا تنفصل عن حياة الإنسان الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، فكان لزاما علينا أن نبحث في حقيقة العلاقة التي بين الثقافة والمجتمع المدني، والتساؤل عن الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في تثقيف المواطنين.
وفي هذا المقال سنحاول أن نلقي الضوء على طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات الفلسفية العربية إزاء الظواهر المجتمعية التي يعيشها المواطن العربي في هذا العصر، على مستوى الفكرة وعلى مستوى الممارسة.
الجمعيات الفلسفية على مستوى الفكرة:
تلعب الجمعيات الفلسفية، كأحد أشكال منظمات المجتمع المدني، دورا ثقافيا مهما في المجتمع من خلال نشر المعرفة والعمل على إعادة تشكيل الوعي. ولما كانت المجتمعات العربية تعاني وعيا مأزوما، فقد جاءت المنطلقات النظرية لهذه الجمعيات متسقة مع الهموم المجتمعية الناجمة عن الأمية الثقافية والعلمية للمتعلمين.
ومن الأمور اللافتة أن القائمين على هذه الجمعيات من المشتغلين بالفلسفة قد أدركوا مؤخرا حجم الفجوة الكبيرة التي بين الفلسفة من ناحية وبين المجتمع من ناحية أخرى. ليس هذا فحسب، بل إنهم أدركوا مسئوليتهم تجاه هذا الصدع الذي جعل الفلسفة تنكفئ على نفسها وتصنع أسوارا حديدية شائكة تحول دون تعاطي الرجل العادي والأفكار الفلسفية ذات الصعوبة المنهجية والمفاهيمية.
لهذه الأسباب حرصت هذه الجمعيات على أن تضمن أهدافها وبرامجها من المبادئ والأفكار ما من شأنه أن يمد جسور التواصل بين الطرفين، بحيث تتخلى الفلسفة عن رؤيتها النخبوية الفوقية وتنزل إلى المجال العام في محاولة للانخراط في المشكلات اليومية والمساهمة في فهم وتفسير الظواهر المستعصية تمهيدا لتقديم الحل.
وفي هذا السياق يقول د.عمر بوساحة رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية:
” أن جمعيته تهدف إلى تحسيس المثقف بأهمية الفلسفة البالغة في فهم القضايا الراهنة التي تخص الجميع، ومحاولة الوصول إلى المواطن العادي، مضيفا أن الجمعية تسعى إلى فتح آفاق الحوار المجتمعي متبنية الفلسفة كأداة للبحث عن حلول للإشكاليات والظواهر المستعصي حلها” (جريدة الموعد اليومي، ١٠/١٢/٢٠١٦).
ويلاحظ أن بوساحة يريد للفلسفة أن تلعب دورا في تغيير وعي المثقف والرجل العادي على السواء، غير أنه يبدأ من أعلى إلى أسفل، ربما لأن المثقف لديه ينبغي أن يقوم بدور الوسيط بين الفيلسوف وبين الإنسان العادي من خلال حوار مجتمعي يشارك فيه الجميع. ويرى أن دور الجمعية أن “تعمل على إخراج المحتوى الفكري الأكاديمي من أسوار الجامعات وإيصاله للمواطن والقارئ البسيط عبر مؤلفاتها وندواتها، خاصة مع تبنيها أسلوب التبسيط اللغوي وتحاشي التعقيد الفلسفي المبهم ليفهمه أكبر عدد من الناس انطلاقا من كون كل الناس يتفلسفون”(المرجع السابق).
وبهذا المعنى، يجيب بوساحة على الأسئلة التي طرحها د.مراد وهبه عندما قال:
“وكانت هذه الظاهرة هي التي دفعتني إلى تنظيم المؤتمر الدولي الفلسفي الخامس في نوفمبر من عام 1983 تحت عنوان «الفلسفة ورجل الشارع» فى سياق الإجابة عن ثلاثة أسئلة: كيف يمكن للفلسفة دفع رجل الشارع إلى أن يكون سيد مصيره؟، كيف يمكن للفلسفة إحداث تغيير ذهنية رجل الشارع؟، هل في إمكان رجل الشارع بعد ذلك أن يتفلسف؟”(رسالة الجمعية الفلسفية الأفرو أسيوية، المصري اليوم، ٣٠/١١/٢٠٢٢).
وتظل الرؤية الحضارية هي الغالبة على طرح مراد موهبة، حيث توجد فجوة حضارية بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة ليس فى الإمكان عبورها من غير المرور بمرحلتين إحداهما إقرار سلطان العقل والأخرى التزام العقل بتغيير الوضع القائم لصالح الجماهير.
ويؤكد د.مصطفى النشار، رئيس الجمعية الفلسفية المصرية على نزول الفلسفة من برجها العاجي واختلاطها بالقضايا المجتمعية، فيقول:
“نزلنا بالفعل من أبراجنا منذ عام 2004م في مصر وانتشرت هذه الدعوة في العالم العربي كله، وكنتُ رائدًا للتوجه من دراسة الفلسفة النظرية وتاريخ الفلسفة إلى دراسة الفلسفة التطبيقية والتركيز على معالجة قضايا الواقع من منظور فلسفي”(الشخصية المصرية قادرة على إعادة صناعة التاريخ، أخبار اليوم، ١٩/١/٢٠٢١).
وأهم ما يميز رؤية النشار أنه إضافة إلى كونه يتفق مع بوساحة ومراد وهبة في ضرورة أن تندمج الفلسفة في المجتمع، وتُعنى بقضايا الراهن وهموم اليومي، فإنه لا يبدأ من المثقف، مثل بوساحة، ولا بالإنسان العادي، مثل وهبة، لكنه يبدأ من الطفل، فيقول:
“وهناك الآن علاجات بالفلسفة لمعظم القضايا المجتمعية، والعالم الآن يهتم بتدريس الفلسفة للأطفال عن طريق تنمية مهارات التفكير النقدي المُستقل، فالطفل يُولد فيلسوفا، ولهذا علينا أن نُعلمه بألا يُسلم مباشرة بالرأي أيا كانت السلطة التي تُلقيه إليه: الأم أو الأب أو المدرسة”(المرجع السابق).
وبمناسبة إنشاء “جمعية الفلسفة” بالسعودية، يؤكد د.عبد الله المطيري رئيس مجلس إدارة الجمعية وأبرز مؤسسيها على أهمية الفلسفة في المجتمع ودورها في تدعيم التعددية وقبول الاختلاف، فيقول:
“واليوم، الفلسفة جزء طبيعي من حياة المجتمعات من دون حالة ضرورية من الصراع بمنطق الأحادية انطلاقاً من تصورات تاريخية تنتمي لسياقات مختلفة. فالتنوع والاختلاف والتعامل مع التعددية باعتبارها مكسبا ثقافيا واجتماعيا علامة أساسية على حيوية المجتمعات، وفي عصرنا الحالي فإن المجتمعات المحظوظة هي من تجد طريقها لكل ذلك”(مصطفى الأنصاري، بعد عقود على تحريمها… جمعية فلسفة في السعودية، اندبندنت عربية، ١٣/١١/٢٠٢٠).
ولا يشذ عن هذا التوجه سوى جمعية “الاتحاد الفلسفي العربي” اللبنانية، حيث تركز في مبادئها التأسيسية على تشجيع الدرس الفلسفي في الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية، كما يتوجه الخطاب إلى المشتغلين بالفلسفة في لبنان والعالم العربي، ما يعني غياب البعد المجتمعي عن الميثاق التأسيسي للاتحاد وتغليب البعد العلمي الأكاديمي الذي هدفت الجمعيات العربية الأخرى إلى التخفيف من غلوائه لصالح المواطن العادي وهمومه اليومية التي تتطلب لغة وجدلا خاصين، يتناسبان مع حرارة اللحظة وراهنية الموقف.
ويكفي أن نستعرض أهداف الميثاق حتى نتبين إلى أي مدى يبتعد الاتحاد عن المجتمع ويقترب من الاكاديمية:
“1 ـ تنسيق جهود الفلاسفة اللبنانيين والعرب لتعزيز مكانة الفلسفة وتنمية حضورها في الجامعات والمعاهد والمحافل الثقافية. 2 ـ تنسيق أنشطة المشتغلين بالفلسفة من اللبنانيين والعرب في المهجر وتفعيلها في لبنان والعالم العربي. 3 ـ تنسيق وتبادل الخبرات بين المشتغلين في الفلسفة بهدف الارتقاء بالمناهج والبرامج. 4 ـ تنشيط فعاليات الجمعيات الفلسفية في لبنان والدول العربية. 5 ـ التفاعل مع الجمعيات الفكرية والعلمية في دول العالم العربي. 6 ـ تشجيع الدرس الفلسفي في الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية. 7 ـ المساهمة في نشر نصوص الفلسفة تأليفا وترجمة وتحقيقا للتراث الفلسفي العربي”(مركز المعلوماتية القانونية، الجامعة اللبنانية).
وبمناسبة افتتاح “معهد الفلسفة” بتونس عام ٢٠١٩م ، صرّح د.فتحي التريكي أحد مؤسسي المعهد بالأسباب التي دفعتهم لإنشاء هذا المعهد، مستندا إلى تاريخ الفلسفة في أوربا، حيث كفت الفلسفة عن أن تكون أماً للعلوم وخرجت من شرنقتها الأكاديمية لتشارك المجتمعات همومها، وعلى النحو نفسه، وعلى غرار المعاهد الفلسفية الأوربية التي انتشرت في القرن العشرين، يؤكد التريكي على ضرورة أن يكون هناك معهدا مهتما بالشأن الفلسفي بمعناه الاجتماعي الحياتي في تونس، وفي هذا المعنى يقول:
“كان لابد لنا في تونس التي عرفت ازدهارا كبيرا في الفكر الفلسفي، أن نكوّن معهدا خارج أسوار الجامعة حتى تتصل الفلسفة بآلياتها ومفاهيمها مع هموم الناس. بذلك لن تموت الفلسفة، ولن تفقد أهميتها من ناحية، ومن ناحية أخرى ستساهم جدياً في تنوير العقول ومحاربة الجهل والتخلف”(عيسى جابلي، حفريات، ٩/٥/٢٠١٩م).
ووصف التريكي المعهد بأنّه “مؤسسة خارج أسوار الجامعة، وفضاء تلتقي فيه كل الاتجاهات الفلسفية دون استثناء وكل تداخل وتعاون وحوار بين الفلسفة والآداب والإنسانيات والفنون والعلوم والتربية والتعليم والتكنولوجيا”( المرجع السابق).
وأهم ما يميز وصف التريكي للمعهد هو ربطة الفلسفة بالآداب والفنون والإنسانيات، وهو اتجاه عالمي تسعى المنظمات العربية الفلسفية لتحقيقه خاصة في الشعر والسينما والمسرح من خلال إصداراتها وندواتها ومؤتمراتها التي سنتحدث عنها بعد قليل.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن نغفل “اتحاد الفلاسفة العرب”، وهو منصة افتراضية تم إطلاقها أواخر نوفمبر من العام ٢٠١٨م، وانطلقت أولى أنشطتها الفكرية في أكتوبر من العام ٢٠٢١م، وقد تأخر بدء النشاط لأسباب لم يفصح عنها رئيس الاتحاد د.محمد عرفات حجازي في البيان الثاني للاتحاد. وهو جهة مستقلة تماما، ليس بجامعة أو أكاديمية، ولا يتبع أي جامعة أو مركز بحثي.
وبالرجوع إلى البيان الثاني للاتحاد سنجد أن أهدافه تمضي في مسارين أحدهما يتعلق بالفلسفة كتخصص أكاديمي، والآخر يتعلق بالفلسفة كممارسة اجتماعية يتم التعبير عنها مجازيا بمقولة “حمى التفلسف”، وفي هذا المعنى نقرأ:
“ومنذ انطلاق انشطته، والاتحاد يسعى نحو تحقيق أهدافه المنشودة، والتي على رأسها الارتقاء بالدرس العربي، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتبسيط وتعميم الفلسفة”.
وفي البيان الأول الذي أصدره الاتحاد بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة للعام ٢٠٢٢م، نجد تفصيلا أكثر للأهداف من واقع الممارسة، فنقرأ:
“لقد طرح اتحاد الفلاسفة العرب عديد المبادرات وصولا إلى أهدافه السامية التي يسعى إليها، منها: مناقشة منزلة الفلسفة في التعليم الثانوي العربي، ومناقشة منزلة الفلسفة في التعليم الجامعي عربيا، وعقد أول مؤتمر عربي من نوعه حول الفلسفة للأطفال، ومبادرة تبسيط وتعميم الفلسفة، واتخذ خطوات جادة نحو النزول بالفلسفة إلى الشارع العربي، إضافة إلى محاور أخرى قيد العمل، أقل ما يُقال عنها أنها تسعى للانتصار للفلسفة ولذويها”.
الجمعيات الفلسفية على مستوى الممارسة:
إذا كانت الأفكار التأسيسية والرؤى الفلسفية هي التي يمكن أن تعكس التوجه المجتمعي للجمعيات الفلسفية في السنوات الأخيرة، فإن أنشطة هذه الجمعيات هي التي يمكن أن تكشف لنا حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه الفلسفة في الحياة اليومية للمواطنين. وفي هذا السياق، سيقتصر كلامنا على بعض أنشطة الجمعيات الفلسفية خلال عام ٢٠٢٢م، حتى يمكننا أن نقف على آخر ما وصلت إليه العلاقة بين الفلسفة والمجتمع المدني.
ومن الملاحظ أن الآليات التي تعتمد عليها الجمعيات الفلسفية العربية، على اختلاف توجهاتها، في تحقيق أهدافها العلمية والاجتماعية لا تخرج عن الفعاليات الثقافية المتمثلة في الندوات والمؤتمرات والإصدارات الورقية من كتب ومجلات، هذا بالإضافة إلى الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي في عقد هذه الفعاليات ونشرها على المواقع الاجتماعية خاصة بعد جائحة كورونا التي تعتبر منعطفا مهما في أنشطة هذه الجمعيات، لأنها خلقت شكلا جديدا من أشكال المشاركة المجتمعية من خلال تطبيقات صُممت خصيصا لتحقيق التواصل عن بعد بين المشتغلين والمهتمين بالفلسفة من بلدان الوطن العربي جميعها. كما أصبح نشر هذه الفعاليات نفسها، بكل ما تحمله من محتوى فكري واجتماعي، ميسرا عبر هذه الوسائل التواصلية الافتراضية المبتكرة.
وإذا انتقلنا إلى الجمعية الفلسفية المصرية، على سبيل المثال، لنلقى الضوء على أنشطتها الثقافية خلال عام ٢٠٢٢م، فسنجد أنها أقامت تسع ندوات، وفقا لبرنامجها السنوي المنشور على صفحتها بالفيسبوك، ودارت حول الموضوعات التالية:
تناهي الزمن والفصل بين الفيزياء والميتافيزيقا: مدخل لإبستمولوجيا الإمكان عند أبي يعقوب الكندي، الترجمة الفلسفية: إشكالات وتجارب فلسفية، التاريخ عند أولفين توفلر، الفن ودوره في المجتمع، الفلسفة الراهنة في الصين، الاستشارة الفلسفية وجودة الحياة، قيم الحضارة المصرية القديمة بين الاتصال والانفصال، الحرية والمسؤولية في التعامل مع وسائل الإعلام الرقمية، الفينومينولوجيا والتأويل.
والملاحظ في هذه الندوات أنها تناولت موضوعات تخص الماضي والحاضر والمستقبل، وتدور في سياق قيم الحق والخير والجمال، كما أنها تتوزع ما بين الفلسفي الخالص والفلسفي الاجتماعي. غير أن هذا الأخير، وهو الذي يعنينا في سياق الحديث عن المجتمع المدني، يشغل حيزا أقل كثيرا من الشق الفلسفي المعني بالقضايا الأكاديمية، حتى أنه يكاد ينحصر في ندوات ثلاث من الندوات التسع، وهم: الفن ودوره في المجتمع، والاستشارات الفلسفية وجودة الحياة، والحرية والمسؤولية في التعامل مع وسائل الإعلام الرقمية.
وإذا انتقلنا إلى مجلة الجمعية الفلسفية المصرية سنجد أنها خصصت عددها الصادر في ٢٠٢٢م لملف المستقبل، وفي مقاله الافتتاحي ” الفلسفة وأسئلة المستقبل” يقول د. مصطفى النشار رئيس الجمعية الفلسفية المصرية:
“كثير من الناس يتصورون أن دور الفلسفة يقتصر على التفسير والتبرير ويتناسون أن دورها الأكبر هو في التغيير وليس المقصود بالتغيير هنا هو التغيير الآني، فالتغيير يفتح أمام الفيلسوف باب التفكير في المستقبل والتنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في كل مجالات الحياة. ومن ثم تكون رؤية الفيلسوف رؤية تنبؤيه يمكن أن يستفيد منها البشر في كل زمان ومكان “(المجلد ٣١، العدد٣١، ص٩).
وبعد توضيح الدور المستقبلي الذي يمكن أن تلعبه الفلسفة يستكمل النشار رؤيته بتعريف المستقبل باعتباره أفقا مفتوحا أمام إرادة الفعل والتغيير، فيقول:
“المستقبل هو مجال الممكن ومجال الحرية ومجال العزيمة وفرض الإرادة الفردية للأفراد وفرض الإرادة الجماعية للشعوب والمجتمعات التي تريد أن تتقدم وتحقق استقلالها الذاتي ونموها المستقل”(الموضع نفسه).
وبالرغم من تلك النزعة المستقبلية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية تظل مقالات المجلة مرتبطة بالشكل الأكاديمي وموضوعاتها متعلقة بمباحث تقليدية، وإن ارتدت ثوب المعاصرة، تتقاطع مع الفلسفة اليونانية القديمة والإسلامية الكلامية والصوفية. وهي بهذا المعني تفتقد جرأة اقتحام الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية الحقيقية التي تعكس الهموم الحياتية للمواطن العربي، وتظل منبرا أكاديميا لا يتردد صوته سوى بين المشتغلين بالفلسفة فحسب.
لقد اعتمدت الجمعية الفلسفية المصرية في مرحلة سابقة (فترة رئاسة د. حسن حنفي) على الماضي في دراستها للحاضر من خلال استدعاء التراث ونقدة وإعادة بنائه، وها هي الآن في عهد د. النشار تبحث عن الحل في المستقبل في محاولة لتجاوز ثنائية الأصالة والمعاصرة التي رسختها المشاريع الفكرية العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، والحقيقة أن كلا التوجهين يسقطان الحاضر أو ربما يهربان منه خشية المواجهة!
وإذا كانت ندوات الجمعية ومجلتها الصادرة عام ٢٠٢٢م تغلب عليهم النزعة الأكاديمية، فإن مؤتمرها حول “الاستشارة الفلسفية والعلاج بالفلسفة” الذي كان مقررا له أن ينعقد في ديسمبر من العام نفسه وتأجل، لأسباب غير معلنة، لشهر مارس من العام ٢٠٢٣م، كان هو الأقرب في موضوعه لمشكلات الحياة اليومية والاجتماعية، حيث ورد في ديباجته:
“وتحاول خدمات الاستشارات الفلسفية تقديم العون للذين يبحثون عن فهم فلسفي لحياتهم، أو لمساعدتهم في حل مشكلات اجتماعية أو حتى عقلية … لكن الغرض في النهاية هو البحث عن الخير والحياة الطيبة وتجاوز بعض المشكلات التي قد تعترضنا في حياتنا وتتعقد داخلنا شيئا فشيئا، للدرجة التي تتطلب معها طرحها على غيرنا وطلب المساعدة”.
ليس هذا فحسب، بل إن دعوة رئيس الجمعية لإنشاء مراكز للعلاج بالفلسفة تعمل على أرض الواقع جنبا إلى جنب العيادات النفسية ومراكز الاستشارات الاجتماعية هو ما يعطي نشاط الجمعية الأهمية التي لا يمكن إغفالها بصدد الدور الذي يمكن أن تلعبه في الحياة الاجتماعية والنفسية، فالحياة غير المختبرة أو غير المفحوصة غير جديرة بأن تُعاش، بنحو ما ورد في صدر ديباجة المؤتمر.
وفي خطة “جمعية الفلسفة” السعودية أعلنت جمعية الفلسفة عن برامجها لعام 2022، والتي تهدف لتمكين المهتمات والمهتمين بالفلسفة من المشاركة المجتمعية في المجال الفلسفي، وأن محبي الفلسفة والمهتمين بها على موعد في رحلة عبر ستة برامج متنوعة تقيمها الجمعية هذا العام، الأول برنامج “الفيلسوف الصغير” في الموسم الثاني، وهو عبارة عن مجموعة من الفعاليات والبرامج تستهدف الأطفال في مراحل عمرية مختلفة، كما يستهدف البرنامج المعلمين والمعلمات والآباء والأمهات وذوي الاهتمام، وبرنامج “قراءات فلسفية في الفكر السعودي” في الموسم الثاني، وهو عبارة عن ندوات ومحاضرات ودراسات علمية مخصصة لدراسة الفكر السعودي المتقدم من منطلقات فلسفية، وتعقد الجمعية برنامج حلقة الرياض الفلسفية “حرف” الذي يهدف إلى تقديم أوراق فلسفية مختلفة في جميع المجالات، وتشجيع وجوه جديدة على الظهور في المجتمع الفلسفي.
ولما للسينما من دور فعال في المجتمع، ستخصص الجمعية برنامج «الفلسفة والسينما» لطرح النظريات والأفكار الفلسفية التي تم استحضارها في الأفلام في جلسات نقاش مع متخصصين، وتفتح الجمعية أبواب التعاون والشراكة مع الجمعيات المتخصصة بالسينما والأفلام والجهات المختصة أو التنظيمية لعقد جلسات عرض وحوار فلسفي حول الأعمال السينمائية، ويمثل لقاء مع الوسط السينمائي السعودي والوسط الفلسفي في القضايا المشتركة، كما سيقام برنامج “فلسفة الأمومة” والمعني بخبرة الأمومة على المستوى الفردي والاجتماعي والمؤسساتي من منظور فلسفي، ويستحضر البرنامج الخبرات المباشرة للأمهات لإقامة حالة من الحوار بينهن وبين الخبراء في مجال الأمومة، وأخيرا برنامج دعم الكتابة الفلسفية، وهي مبادرة لتحفيز الكتابة الفلسفية من مقالات وأبحاث، ونشرها على الموقع الإلكتروني للجمعية من خلال استقطاب أسماء دولية ومحلية للكتابة. وأوضح عضو جمعية الفلسفة رئيس المركز الإعلامي سالم الثنيان، أن الفلسفة ليست للنخبة، وإنما هي للجميع، وأنها تساؤل دائم عن الحياة الإنسانية، وهي وريثة التاريخ البشري(جريدة اليوم، ٢٦/٤/٢٠٢٢م).
وخلافا للجمعية الفلسفية المصرية يلاحظ غلبة البعد الاجتماعي والتربوي والفني على البعد الفلسفي الأكاديمي في برنامج نشاط “جمعية الفلسفة” بالرغم من نشأتها الحديثة التي لم تتجاوز العامين.
والأمر نفسه يمكن أن يقال عن اتحاد الفلاسفة العرب، الحديث العهد أيضا، والذي بدأ نشاطه منذ عامين كذلك، بالجهد الذاتي لمؤسسه د. محمد عرفات حجازي، ووضع ضمن أهدافه الارتقاء بالدرس الفلسفي العربي والخروج بالفلسفة من قاعات الدرس الأكاديمي إلى عموم الجماهير. وبالرجوع إلى أنشطة الاتحاد خلال العامين ٢٠٢١م، ٢٠٢٢م، سنجد مجموعة من الندوات واللقاءات الحوارية الافتراضية دارت حول الفلسفة التطبيقية، والبيوت أتيقا، والفلسفة كما نتمنى، وتدريس الفلسفة في المدارس الثانوية العربية، وكيف نقرأ الفيلم السينمائي والعمل على تقديم الفلسفة في صورة مرئية تحت شعار “الفلسفة بنكهة سينمائية”، وذلك من خلال إطلاق قناة الاتحاد، وقناة الفيلسوف الصغير.
ولعل أبرز أنشطة الاتحاد خلال عام ٢٠٢٢م هو عقده لمؤتمرين دوليين افتراضيين: أحدهما عقد في مايو بعنوان “الفلسفة للأطفال” والثاني عقد في نوفمبر بعنوان “السينما والفلسفة”. وتطرح ديباجة المؤتمر الأول مجموعة من الأسئلة يفترض أن يجيب عنها المؤتمر، وهي:
“كيف يمكننا أن نؤسس فلسفة للأطفال؟ هل تفترض الفلسفة ضربا من النضج العقلي يفتقده الطفل أم ينبغي أن نقول أن الفلسفة ممارسة لا سن لها؟”
وفي كل الأحوال يأتي المؤتمر في سياق تأكيد اليونسكو على أن” الفلسفة حق للجميع”، وتلبية لتوصيتها بتعميم تعليم الأطفال التفلسف.
وفي ديباجة المؤتمر الثاني نتعرف على الأسباب التي دعت لانعقاده، ورؤية الاتحاد في ربط الفلسفة بالسينما فنقرأ:
“صاحب توسيع نطاق الموضوعات الفلسفية إدراك أن السينما وغيرها من أشكال وسائل الإعلام والترفيه قد تصبح أدوات فعالة لنقل الأفكار. وكثير من تلك الأفكار مثير للاهتمام من الناحية الفلسفية، وهي متأصلة في حياتنا اليومية مثلها مثل الصداقة والحب والموت والهدف والمعنى”.
ويلاحظ أن التجمعات الفلسفية ذات التاريخ الطويل في العمل الثقافي، مثل الجمعية الفلسفية المصرية، هي الأكثر ميلا للطابع الأكاديمي والأكثر تحفظا في الانخراط في قضايا المجتمع، بينما التجمعات حديثه النشأة، مثل “جمعية الفلسفة” السعودية، واتحاد الفلاسفة العرب، هي الأكثر انخراطا في قضايا المجتمع وهموم الحياة اليومية، مع احتفاظها بالسمات الأكاديمية الأساسية في ممارستها لأنشطتها باعتبارها كيانات فلسفية بالأساس.
الجمعيات الفلسفية: رؤية نقدية:
لم تسلم الجمعيات الفلسفية من النقد، خاصة تلك التي لها تاريخ طويل في العمل الثقافي مثل الجمعية الفلسفية المصرية، والجمعية الفلسفية الأردنية.
فينتقد الدكتور سعيد اللاوندي الجمعية الفلسفية المصرية من عدة نواح، أبرزها ارتباط الجمعية بشخص واحد بحيث يدور الجميع في فلكه، قائلا:
“واللافت للنظر أن الجمعية ارتبطت بأحد أساتذة الفلسفة الأفذاذ بحيث يكون “هو” الأساس في كل شيء! فهو الذى ينتقد، وهو الذى يوافق على أن يتحدث هذا الأستاذ أو لا يتحدث، وعندما يتكلم هذا الأستاذ يختفى من بين الحاضرين كما جاء”(سعيد اللاوندي، الجمعية الفلسفية المصرية.. خارج الخدمة، جريدة الوطن، ٤٢/٦/٢٠١٧م).
كما يلفت النظر إلى غياب عنصر الشباب في أنشطة الجمعية، وغلبة الأساتذة من كبار السن، فيقول:
“وكان لافتاً للنظر غياب الشباب، سواء من الباحثين أو أساتذة الجامعة الشبان. وأقول الحق، لقد شعر ابنى الطالب الجامعي باغتراب شديد لأنه وجد نفسه شاباً بين مجموعة من العواجيز!”(المرجع السابق)
ومن الأمور ذات الأهمية التي ضمنها اللاوندي في نقده للجمعية انكفاؤها حول نفسها، بحيث ابتعدت عن الجمعيات العربية الأخرى واهتمت بقضايا لا تخص سوى الشأن المصري فحسب، فنقرأ:
“ونسى هؤلاء أن هناك جمعية فلسفية بالجزائر تتطلع إلى الجمعية الفلسفية المصرية، وأخرى فى لبنان.. والأجدى أن يتم التواصل بينها جميعاً، لكن السياسة دخلت فى كل شيء فأفسدت أمور الثقافة والفلسفة، وأصبحت كل جمعية تعمل بمفردها ولا تتكلم إلا عن قضايا خاصة بها، فلا يتحدثون فى مصر مثلاً إلا عن أمور فلسفية مصرية وكفى!! وكذلك الحال فى الجزائر ولبنان”(نفسه).
والملاحظ أن النقد هنا يشمل الجمعيات الفلسفية العربية جميعها لا الجمعية الفلسفية المصرية فحسب، كما لا يمكننا أن نغفل أن مقالة اللاوندي نشرت منذ خمس سنوات تغيرت خلالها أمور كثيرة، ولا نظن أن الصورة السلبية التي قدمها عن الجمعية يمكن أن تنطبق عليها الآن بكل تفاصيلها. إضافة إلى ذلك، يلاحظ أن نقد اللاوندي جاء نتيجة لتجربة شخصية، حضر خلالها واحدة من أنشطة الجمعية لمرة واحدة فقط، ما يعني غلبة النزعة الذاتية على مقاله النقدي.
ومقابل النقد الذاتي لللاوندي نجد نقدا أكثر موضوعية يقدمه د.محمد عبد الله القواسمة للجمعية الفلسفية الأردنية . وأهم مواضع النقد التي يلفت القواسمة النظر إليها أحادية الموضوع الذي تطرحه الجمعية حيث تتركز مناقشتها حول الماركسية وأعلامها، مع غلبة الفكر النظري علي الجانب التطبيقي، والاتجاه نحو الماضي والابتعاد عن الواقع الذي نعيشه. وفي هذا السياق يقول:
“لا شك أن أحادية الموضوع الذي تطرحه الجمعية غالبا وتركز عليه في نشاطاتها المختلفة يقلص عدد أعضائها وروادها ويحصرهم في فئة معينة. كما يقلل من تأثيرها في المجتمع بعامة وفي الحياة الثقافية خاصة … فليس من تتوجه إليه في خطابها غير النخبة التي هي في الأصل متخصصة في الفلسفة. فكأنها والحال هذه لا تخاطب إلا ذاتها”(د. محمد عبد الله القواسمة، الجمعية الفلسفية الأردنية، جريدة الدستور، ١٦/١١/٢٠١٨م).
ويقترح القواسمة مسارات جديدة للجمعية تجعلها أكثر قدرة وحيوية على التأثير في المجتمع، فيقول:
“إن ما يُنتظر من جمعية يتضمن اسمها كلمة فلسفة أن تنوع في المواضيع التي تطرحها في أعمالها مع التركيز على ما يساعد على كيفية معايشة الحياة وليس على فهمها فقط. فمن مظاهر معايشة الحياة مناقشة القضايا المهمة في واقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وتلك القضايا التي تتصل بالكوارث المتلاحقة في البيئة والتغيرات المتسارعة في سلوك الناس وأخلاقهم”(المرجع السابق).
ويلاحظ أن القواسمة عندما يريد للحياة أن تتحول من الفهم إلى المعايشة، إنما يريد في الوقت نفسه للفلسفة أن تتحول من مجال النظر إلى مجال العمل، أي أن تكف الفلسفة عن أن تدرس نفسها بوصفها فكرا خالصا وأن تتجه إلى الواقع وتنخرط في مشكلات الحياة الإنسانية.
والحقيقة أن الفلسفة إذا أريد لها أن تلعب دورا مجتمعيا فينبغي علي الجمعيات الفلسفية أن تتحول من الدرس الأكاديمي إلى الفعل الاجتماعي والسياسي، ولن يتحقق لها ذلك إلا إذا صارت الفلسفة جزءا من الثقافة العامة مثل الرواية والفيلم والأغنية واللوحة. وينبغي أن نعترف بأن المسافة ما زالت كبيرة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، أي بين الأهداف والغايات التي تضعها الجمعيات الفلسفية في مواثيقها المنشئة وبين ممارستها الفعلية.
ربما كان الارتباط بالشخص أو بالفكرة أحد أسباب هذه الفجوة، لأن العمل الاجتماعي يتطلب الانطلاق من الواقع، من داخل الظاهرة الإنسانية كحدث ملموس لا كفكرة هائمة أو نظرية تأملية. وفي كل الأحوال، يظل الأمل معقود على هذه الجمعيات، قديمها وحديثها، في أخذ زمام المبادرة نحو إيقاظ الوعي وحفز الإرادة تجاه التغيير.

