د. ماهر عبد المحسن


يرتبط الكلام في الجنس، كما يرتبط الكلام عموماً، بالحوار المكتوب أكثر مما يرتبط بالصورة، ومن ثم يرتبط بالكاتب أكثر مما يرتبط بالمخرج ورؤيته الإخراجية. وفي هذا الصدد، لم تعرف السينما المصرية في بداياتها العبارات الجنسية الصريحة، بل إن الإيماءات الجنسية غير المباشرة، لم تعرفها السينما إلا في استثناءات قليلة ارتبطت، في معظمها، بالأحاديث الدائرة حول ليلة الزفاف. كان يحدث ذلك حتى في الأفلام التي كانت تتناول موضوعات أخرى غير الجنس، ومن هذه الأفلام يأتي فيلم “حكاية جواز” الذى أخرجه حسن الصيفي عام ١٩٦٤، وتدور قصته في سياق اجتماعي عاطفي حول محمد (شكري سرحان) الذي يتلقى خطاباً في يوم زواجه بترقيته ونقله للعمل في جبل عتاقة، لكن حماته (ماري منيب) ترفض أن تسافر ابنتها عديلة (سعاد حسني) معه، الأمر الذى يترتب عليه إفساد ليلة الزفاف. والمفارقة تأتى من مشهد الصباحية المزيف، حيث تأتى صديقات عديلة، وكلهن آنسات فى مرحلة الحب والخطوبة، ولم يخضن بعد تجربة الزفاف، وكما هو معتاد في المجتمعات الشرقية المحافظة، تجتمع الفتيات حول العروس في شئ من الفضول والشغف الذى لا يخلو من الإثارة، لسماع تفاصيل التجربة الجنسية التى سبقتهن إليها صديقتهن العروس.
ولأن المشهد في فيلم “حكاية جواز” يعبّر عن واقعة لم تحدث أصلاً، فإن عديلة تحاول أن تتهرب من أسئلة صديقاتها الفضولية بتحويل الحديث تجاه المعاني العاطفية، في الوقت الذي تصرّ فيه الفتيات على معرفة ما حدث تحديداً في هذه الليلة كتجربة جنسية أولى تخوضها الفتاة مع رجل غريب أغلق عليهما الباب لأول مرة. والمشهد برمته لا يحتوي على أي لفظة صريحة، وإنما فقط تلميحات وتنهدات غير بريئة وحالمة. وفي هذا السياق، لا يمكننا أن ننسى تلك الإيماءة الجنسية القوية التي ألقت بها الحماة (ماري منيب) المرأة الخبيرة بحكم السن وتجربة الحياة، عندما قالت لواحدة من صديقات ابنتها، المخطوبة التي لا تمانع فى السفر مع خطيبها إلى أسوان بعد الزواج: “يا بت.. ومتلهلبة على إيه؟!”
والملاحظ أن محمد عثمان (كاتب القصة والسيناريو والحوار) كان حريصاً على تمرير المعاني الجنسية بنعومة، بحيث لا تخدش حياء المشاهد، فلم يكن يتوقف كثيراً عند الإيماءة، ولم يكن يعمد إلى تصعيدها، وإنما، على العكس، كان حريصاً على تبرير الإيماءة وتخليصها من المعنى الجنسي الذى أوحت به في الوهلة الأولى، فتبرر الفتاة المخطوبة لماري منيب أن خطيبها هو المكروب على الزواج، وليست هي، لأنه مسافر إلى أسوان، وتحاول “عديلة” أن تصرف أذهان صديقاتها عن المعاني الجنسية التي في الموقف، بالتأكيد علي أن السعادة الحقيقية في الحب والأمان، من خلال كلمات رومانسية، تعبّر عن اللعب البريء والذكريات الحلوة التي استعادتها مع زوجها من فترة الخطوبة. ليس هذا فحسب، بل إن السيناريو يقفز سريعاً فوق هذه التفاصيل ليواصل طرح فكرته الأساسية من خلال إبراز الصراع وتصعيده بين الزوج والحماة.
ويعتبر هذا المشهد من المشاهد الكلاسيكية في السينما المصرية، هو والمشهد الذكوري المقابل له، والذى يجسد الحوار الدائر بين العريس الشاب المقدم على الزفاف وبين أصدقائه الآخرين من أصحاب الخبرة، الذين سبقوه في تجربة الزواج. والملاحظ هنا أن هذين المشهدين يعبّران عن ظاهرة اجتماعية راسخة فى المجتمعات المحافظة، وهى غياب المعرفة الجنسية لدي الشباب حتى اللحظات الأخيرة قبل الزفاف. ويرجع السبب إلى أن هذه المعرفة تظل محظورة طوال فترة عمر الفتي/ الفتاة، ولا يُرفع الحظر إلا تحت مظلة الزواج، الذى يضفي المشروعية على كافة التجاوزات اللفظية التي لم يكن مسموحاً بها من قبل. ولأن الرجل هو المنوط به إدارة دفة العلاقة الحميمية في الزواج، فإنه يتلقى النصائح الجنسية، التي هي أشبه بالكهنوت السرى قبل ليلة الزفاف، وعلى العكس تتلقاها الفتاة من زميلاتها بعد أن يخضن التجربة. والمشهد هنا يعني، سينمائياً، أننا في الحالة الذكورية نكون إزاء فرد جاهل (العريس) فى وسط مجتمع عالم (مجتمع المتزوجين)، وفى الحالة الأنثوية، نكون إزاء فرد عالم (العروس) في وسط عالم جاهل (الفتيات غير المتزوجات). وفي كل الأحوال، يُلاحظ أن التجربة الجنسية، الوجودية بالأساس، لكونها تجسد علاقة الأنا بالآخر في أكثر مستوياتها ذوباناً واندماجاً، تكتسب بعداً معرفياً في مجتمعاتنا، بحيث ترتبط الرغبة بالغموض، والإثارة بالخيال، ويأتي الجنس بمثابة الكشف، فى لحظة استنارة قد تتأخر كثيراً.
ومن المشاهد التي تجسد الحالة الذكورية، مشهد المعلم أبو زيد (زكى رستم) فى ليلة زفاف هريدي (فريد شوقي) فى فيلم “الفتوة” الذى أخرجه صلاح أبو سيف عام، ١٩٥٧. والحقيقة أن هذا المشهد يكشف عن بعد آخر من الأبعاد التي تميز التجربة الذكورية خلافاً للبعد المعرفي، وهو البعد التشجيعي الذى يعكس نظرة الرجال لليلة الزفاف باعتبارها محكّاً قوياً لإثبات الرجولة والفحولة، وعلى ذلك ترتبط هذه المشاهد، فى الواقع وفى السينما، بشرب العريس للمخدرات أو المشروبات الكحولية أو تعاطي المنشطات الجنسية، وكلها أشياء يقدمها الأصدقاء والمقربون من العريس على سبيل الهدية لتدعيم موقفه الصعب. وفى هذا السياق لا تدور الأحاديث حول كيفية الأداء، ولكن حول قوة الأداء، فيقول أبو زيد لهريدي: “أنا هعملك جو يخدمك” ويقول في مشهد آخر: “انا هخليك ترجع للعروسة آخر صهللة”.
ولأن مشاهد زفاف هريدي كلها لم تكن تهدف إلى إبراز الجانب الجنسي في الموضوع، وإنما جاءت لتخدم رغبة “أبو زيد” في تحقيق انتقامه من هريدي بعد أن اكتشف خيانته له في تجارة الخضار، فقد جاءت العبارات، ذات الإسقاط الجنسي، التى كتبها السيد بدير، قليلة ومقتضبة، وتحمل من الإسقاطات ما يتجاوز المعنى الجنسي. ليس هذا فحسب، بل إن الجنس يلعب دوراً محورياً في إنقاذ هريدي، في اللحظات الأخيرة، من الموت بعد أن حبسه أبو زيد في ثلاجة الخضار ورفع درجة البرودة إلى حدها الأقصى. ففي هذه الأثناء دخل أحد رجال “أبو زيد” (نظيم شعراوي) إلى مخزن الخضار مصطحباً إحدى العاهرات لممارسة الجنس معها مستغلاً انشغال الجميع بفرح هريدي، وهنا يسمع صوت دقات هريدي على باب الثلاجة، فيهرع إلى فتح الثلاّجة ونجدته.
وقد عرفت السينما المصرية الكلام عن الجنس كثيراً، وتجلى ذلك فى سياقات مختلفة وعديدة، بعضها كان تراجيدياً وبعضها الآخر كان كوميدياً، غير أن النقلة النوعية جاءت تحت مظلة الطب النفسي، عندما تناولت السينما قضايا الخيانة والعجز الجنسي، وصار الجنس، فى حد ذاته، موضوعاً للأفلام. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، فيلم “السراب” الذي أخرجه أنور الشناوي عام ١٩٧٠، وكتب له السيناريو والحوار على الزرقاني عن رواية لنجيب محفوظ ، وفيه يلجأ كامل رؤبة لاظ (نور الشريف) الشاب الخجول، العاجز جنسياً أمام زوجته الجميلة رباب (ماجدة الصباحي) إلى الطبيب النفسي أمين (رشدي أباظة) يلتمس منه سبل العلاج. وفى عيادة الطبيب نسمع كلاماً صريحاً عن الجنس بين الطبيب وكامل في بعض المشاهد، وبين الطبيب و رباب في مشاهد أخرى. غير أن الزرقاني رغم وضوح الموضوع ومباشرة الطرح، يظل حريصاً على نفس التقاليد السينمائية المحافظة، فى الكلام عن الجنس، حتى تاريخ إنتاج الفيلم، فنعرف من حوار الطبيب مع كامل أن أسباب عجزه هي العقدة التي نجمت عن اكتشاف أمه لعلاقته غير المشروعة بالخادمة فى مرحلة مبكرة من حياته، وكذلك للشبه الذى بين زوجته وبين والدته ما يجعله يشعر تجاهها بشيء من القداسة يمنعه من إقامة علاقة حميمية معها، وينصحه بأن يقبل على الحياة ويكون أكثر انفتاحاً على الآخرين، وأن يبحث عما هو مثير في زوجته حتى يمكنه أن يمارس علاقة طبيعية.
وفى مشاهد الطبيب مع الزوجة، ينصحها بأن تتخلى عن الخجل وأن تبحث عما يرضيه وتفعله دون حياء، لأنها زوجته، خاصة أنها جميلة ومثيرة، ولديها من الإمكانيات ما يجذب الرجل. وهنا نجد أنفسنا إزاء إيماءة مركبة، واحدة تشير إلى علاقة كامل برباب، والأخرى تشير إلى علاقة رباب بالطيب نفسه، الذى يستغل أزمتها مع زوجها ليلقى بشباكه حولها، وينجح فى اصطيادها في النهاية، مع تصاعد الأحداث حتى تصل إلى نهايتها المأساوية.
وتتكرر التيمة نفسها في فيلم “أرجوك أعطني هذا الدواء” الذى أخرجه حسين كمال عام ١٩٨٢ عن قصة لإحسان عبد القدوس، كتب لها السيناريو والحوار مصطفى محرم. وفيه نعثر على الثالوث الدرامي نفسه: الزوج الفاشل جنسياً، رفعت (محمود عبد العزيز)، والزوجة الضحية التي تعانى حرماناً جنسياً، ماجدة (نبيلة عبيد)، والطبيب النفسي غير الشريف، الذى يعمل على استغلال الموقف، مصطفى (فاروق الفيشاوي). وفى كلا الفيلمين تنتهى الأحداث بمأساة موت الزوجة بعد أن سلمت نفسها للطبيب المعالج، والفرق الوحيد أن طبيب رباب استغل الفرصة، بينما طبيب ماجدة تراجع في اللحظات الأخيرة.
وعلى مستوى الحوار، تجاوز “أرجوك أعطني هذا الدواء” فيلم “السراب” فى جرأة التفاصيل، حيث كان الطبيب يسأل ماجدة عن عدد مرات الممارسة الجنسية في اليوم وفى الأسبوع وفى الشهر، وعن مدى رغبتها في العملية، ومدى الإحباط الذى كان يصيبها، خاصة أنها كانت تعرف أن زوجها يخونها مع أخريات، ثم يأتي إليها آخر الليل مجهداً.
وفى خطوة أخرى أكثر جرأة يقدم المخرج محمد صلاح أبو سيف القصة التي كتبها والده، مخرج الواقعية الكبير، “النعامة والطاووس” عام ٢٠٠٢، ويكتب لها الحوار لينين الرملي. تدور الأحداث حول الزوجين الشابين حمدي (مصطفى شعبان) وسميرة (بسمة) اللذان يشكوان من فتور العلاقة الحميمية بينهما فيلجآن إلى دكتوره فاطمة (لبلبة) الطبيبة النفسية، التي تنجح في الكشف عن أسباب فتور العلاقة، والذى يرجع، في النهاية، إلى العادات والتقاليد الاجتماعية الخاطئة.
غير أن أهمية الفيلم، فى هذا السياق، إنما ترجع إلى كونه يطرح قضية الجنس من منظور إشكالية الكلام عن الجنس نفسها. ولعل في العنوان ما يؤكد هذا المعنى، فالنعامة تشير إلى دفن الرؤوس فى الرمال، والهروب من المشكلة، بينما يشير الطاووس إلى الصراحة والوضوح. والفيلم ينحاز إلى أسلوب المواجهة والمصارحة، وقد حمى السيناريو رؤيته برأيي الدين والعلم. فكلاهما يعترف بهذه العلاقة، ويشجع الكلام فيها، وتعلم أصولها، كأي علم أو معرفة مشروعة.
والحقيقة أن الكلام في الجنس في “النعامة والطاووس” لا يكتفى بالحوار، كباقي الأفلام التي عرضنا لها، وإنما يمزج بين الكلمة والصورة فى التعبير عن الأفكار الجنسية من خلال تقنية الفلاش باك، التي تم توظيفها، في مشاهد العيادة التي كان يتردد عليها كلا الزوجين. كما أن الرؤية الإخراجية المعبّرة التي قدمها محمد أبو سيف، نجحت في طرح قضية الفيلم من خلال الإيماءة الذكية التي جمعت بين رغبتين متعارضتين: رغبة الزوجة في إطفاء الأنوار أثناء العلاقة، ورغبة الزوج في الكشف عن مفاتن الزوجة في تلك الأثناء. غير أن المفارقة التي لا يمكن إغفالها، هى إنهاء أبي سيف للفيلم بمشهد كلاسيكي يذكرنا بمدرسة “صلاح أبو سيف” (الأب) الواقعية التي تعتمد على التلميح، بالرغم من العناصر الصريحة، الداخلة في الكادر، فنشاهد حمدي وسميرة في لحظة انسجام عاطفي في المطبخ أثناء إعدادهما لطعام الإفطار، وبينما يحتضنان بعضهما، ويغيبان أسفل الكادر، تنتقل الكاميرا على وعاء اللبن الذى يفور فوق البوتاجاز!


أضف تعليق