د. ماهر عبد المحسن

أثارت لوحة فان جوخ (1853 – 1890) الشهيرة “الحذاء” التي رسمها في باريس عام 1886م جدلاً واسعاً بين الفلاسفة ومؤرخي الفن لسنوات طويلة تالية. وبالرغم من أن زملاء جوخ من المعنيين بالفن لم يجدوا في اللوحة ما يثير الاهتمام في ذلك الوقت، إلا أنها حظيت باهتمام كبير وموسع لدى كبار الفلاسفة في القرن العشرين من أمثال مارتن هيدجر، وماير شابيرو، وجاك دريدا ، وكانت موضوعاً لسجال فلسفي طويل، ومثاراً لخلاف نقدي ونظري كبير بين هؤلاء الفلاسفة. .فقد اعتبرها هيدجر نموذجاً معبراً عن تجلي الحقيقة في الفن، واعتبرها شابيرو معبرة عن شخص فان جوخ نفسه وعلاقته الخاصة بالحذاء، بينما رأى دريدا في تناول جوخ للحذاء نوعاً من الثورة على المألوف في الفن في ذلك الوقت، حيث نقل بؤرة الاهتمام من الوجه إلى القدمين في إشارة إلى التحول من المركز إلى الأطراف، والاحتفاء بكل ما هو هامشي وسفلي على حساب ما هو محوري وعلوي.
ويلاحظ أن كل من شابيرو ودريدا قام بنقد قراءة هيدجر للوحة على نحو ما أوردها في كتابه “أصل العمل الفني” عام 1936 ، لأنه اعتبر أن الحذاء يخص فلاحة على غير الحقيقة، فى حين أن جوخ عندما اشترى الحذاء، إنما كان بغرض الاستعمال الشخصي سواء من خلال ارتدائه أو اتخاذه موضوعاً للرسم. والحقيقة التي نراها في هذا السجال الفكري الطويل ، أن أهمية اللوحة لا تكمن في معرفة من هو صاحب الحذاء، ولكن فيما أثارته من جدل،
وما ألهمت به الفلاسفة والمنظرين من أفكار خصبة كان لها أبعد الأثر في الفن والفلسفة على السواء.
فهيدجر – على سبيل المثال – لم يفرد دراسة خاصة عن اللوحة ، وإنما أوردها كمثال وكنموذج ليدلل بها على صدق أطروحته حول علاقة الفن بالحقيقة. وهو في هذا السياق لم يكتف بهذا المثال، ولكن تطرق إلى فنون أخرى مثل الشعر والنحت والعمارة. ولا يمكن إغفال النجاح والتوفيق الذي أحرزه هيدجر في تحليله لهذه اللوحة، فقد استطاع أن يضيف إليها من خلال قراءته الخاصة التي قدمها لها في ضوء فهمه لماهية الفن بوصفه تجلياً للحقيقة من ناحية ، كما استطاع من ناحية أخرى أن يؤسس لفكرته حول أصل العمل الفني على أرضية ثابتة من تفسيره لعناصرها الجمالية.
فأهمية اللوحة بالنسبة لهيدجر، إنما تكمن في السياق الفلسفي والنظري الذي وردت فيه. ولكي نستشعر هذه الأهمية ينبغي أن نتوقف عند أهم الأفكار التي قدمها هيدجر في هذا السياق. فماهية الفن – عند هيدجر – تستمد من العمل الفني نفسه وليس من شيء خارجه، كما أن العمل الفني لا يمكن تعريفه إلا من خلال معرفة جوهر الفن، وذلك في عملية جدلية لا تنتهي. ولكي نعثر على جوهر الفن الذي يتحكم في العمل الفني حقيقة، علينا أن نبحث عن العمل الحقيقي ونسأل العمل الفني ما هو ، وكيف يكون جوهره.
ولكي يجيب هيدجر على هذه التساؤلات فإنه يميز بين العمل الفني كشيء وكأداة، وكحقيقة، فالعمل الفني – شئنا أم أبينا – له جانبه الشيئي، مثله مثل أي شيء آخر كالحجر والشجر والصخر والماء والجرة. إننا نلتقي بالأعمال الفنية في الساحات العامة وفي الكنائس وفي البنيات السكنية، كما أن الأروقة والمعارض تحتوي على أعمال فنية تنتمي إلى عصور وشعوب مختلفة. ليس هذا فحسب وإنما يتم التعامل مع هذه الأعمال- رغم عظمتها ورغم قيمتها الروحية والجمالية – على نحو ما تعامل الأشياء العادية. فقد انتقلت لوحات فان جوخ من معرض إلى معرض كما ينقل الفحم من الغابة السوداء، ووضعت أغاني هولدرلين أثناء الحملة العسكرية في جراب مع أدوات الزينة، ووضعت رياعيات بيتهوفن الموسيقية في مخازن دار النشر مثل البطاطس في القبو.
وبالرغم من أن الفن لم يبدع لهؤلاء الذين يتعاملون معه باعتباره مجرد شيء كباقي الأشياء، وإنما أبدع من أجل هؤلاء الذين يعيشون تجربة الفن الجمالية، إلا أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن الطابع الشيئي الذي لا يتزحزح عن العمل الفني، حتى يمكننا القول إن العمارة في الحجر، والحفر في الخشب، واللوحة في اللون، والعمل اللغوى في الصوت، والعمل الموسيقي فى اللحن.
لكن هل يعني ذلك أن ماهية العمل الفني تكمن في شيئيته؟ يجيب هيدجر بالنفي، لأن العمل الفني شيء آخر يتجاوز الشيئي. وهذا الشيء الآخر الذي يكمن فيه، هو الذي يكون العمل الفني. العمل الفني شيء مصنوع ، لكنه يقول شيئاً آخر خلاف الشيء المجرد في حد ذاته. فما هو طبيعة هذا الشيء المغاير؟.
للإجابة على هذا التساؤل يتطرق هيدجر إلى مفهوم آخر وهو “الأداتية” ليبحث عن أدائية الأداة على نحو ما فعل في بحثه عن شيئية الشيء. ويستعين هنا بلوحة فان جوخ موضحاً أن الحذاء كأداة يمكن أن يستخدم لباساً لرجل أو لإمرأة ، كما يمكن أن يُستخدم للعمل في الحقل أو للرقص في الحلبة، وفي كل الأحوال تتغير مادته وشكله وفقاً للمنفعة المراد له تحقيقها. فوجود أداتية الأداة يقوم على منفعتها، فكلما ألقت الفلاحة في مساء متأخر، في تعب شديد، حذاءها جانباً وتناولته من جديد في صباح لا يزال معتماً، أو مرت قربه يوم عطلتها، عرفت كل ذلك دون مراقبة أو تأمل. إن وجود أداتية الأداة يقوم حقاً في منفعتها، لكن هذه المنفعة نفسها تكمن في امتلاء وجود الأداة الجوهري. ويطلق هيدجر على الوجود الأداتي اسم “الأمانة”. فالذي يجعل الفلاحة تلبي نداء الأرض وتخرج يومياً للفلاحة رغم المشقة ورغم المعاناة، إنما هو الثقة والاتكال على أن الأداة سوف تقوم بدورها، وتحقق منفعتها التي صنعت من أجلها.
إلا أن الأداة تبلى وتستهلك، بل أن الاستعمال نفسه يتعرض للاستهلاك وينصفي ويصبح عادياً، وهكذا يقع الوجود الأداتي في إفقار ، ويسقط ليكون مجرد أداة، وهذا الإفقار هو تضاؤل الأمانة، ولا يبقى ظاهراً للعيان سوى المنفعة المجردة. وبهذا المعنى لا يمكن للعمل الفني أن يكون مجرد أداة، رغم قدرته على الكشف عن أداتية الأداة من خلال ظهورها ظهوراً خاصاً من خلاله على نحو ما رأينا في “حذاء فان جوخ”.
فإذا لم يكن العمل الفني مجرد شيء أو أداة، فماذا يكون؟
يصل هيدجر في نهاية التحليل إلى أن جوهر العمل الفني إنما يكمن في واقعة حدوث الحقيقة في داخله. ففي عمل الفن تضع حقيقة الوجود نفسها في العمل الفني.
و”الوضع” يعني هنا الإيقاف. فالوجود وهو الحذاء الفلاحي، يأتي للوقوف في ضوء وجوده، حيث يحل وجود الموجود في دوام ظهوره. وبهذا المعنى يعيد هيدجر الارتباط بين الفن والحقيقة بعد أن تم فصلهما في علم الجمال الذي انشغل بالجميل لا بالحقيقة، كما أعاد إحياء مفهوم الحقيقة بوصفها كشفاً لا يوصفها نوعاً من التطابق بين الفن والواقع، فلوحة فان جوخ لا تعتبر عملاً فنياً لأنها نجحت في رسم حذاء فلاحي باعتباره نسخة من الواقع، لكن لأنها استطاعت أن تضع الحذاء في ضوء وجوده ككشف عن ماهيته وأسلوبه في الوجود.
الأمر إذن لا يتعلق في العمل الفني بإعادة التعبير عن الوجود المفرد الحاضر في كل مرة، وإنما يتعلق الأمر على العكس من ذلك بالتعبير عن الجوهر العام للأشياء.


أضف تعليق