د. ماهر عبد المحسن
في مرحلة باكرة من حياتي الدراسية، الثانوية العامة، توزعت مراهقتي الفكرية بين مكتبة المدرسة ومكتبة الحي العامة، وكنت أزهو وقتها بآرائي التي حصلتها من الكتب التي كنت أستعيرها دون روية أو تمحيص كاف. وبالرغم من ذلك كان لدي صديق يعجب بهذه الآراء، ومن فرط إعجابه طلب مني أن أقوم بمناظرة مع زميل آخر في فصل آخر. وأذكر أني شعرت بالاضطراب عندما علمت أن ذلك الزميل قارئ نهم ولدية خلفية ثقافية كبيرة، لكني، بالرغم من ذلك، لم أستطع التراجع عن المناظرة، حتى لا أبدو أمام صديقي ضعيفا أو متخاذلا.
والحقيقة أني شعرت بالضعف فعلا أثناء المناظرة حتى أني كنت أحاول أن أستميل هذا الزميل في صفي بحيث لا يبدو الأمر وكأنه مباراة يفوز فيها طرف ويخسر طرف آخر. وأذكر أن السبب في موقفي أن منافسي في اللقاء كان متسلحا بثقافة دينية وكانت ثقافتي عامة، ومعظم المناظرة كان يدور حول أمور ومسائل تخص الدين أكثر من الأدب والفلسفة والفن الذين كنت أقرأ فيهم طوال الوقت.
ومضت الأمور كما أردت واستطعت أن أكسب هذا الزميل كصديق بدلا من أن نظل كطرفين في صراع أو كمتنافسين في مباراة، غير أن الشي الذي لاحظته، وظل محفورا في وجداني حتي هذه اللحظات، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاما، هو أن صديقي الذي دعانا للمناظرة لم يكن له أي دور أو موقف في القضايا التي كانت مطروحة عدا كونه كان يتلذذ بالفرجة علينا أثناء النزال الفكري حامي الوطيس!
وتكرر الشيء نفسه مع أطراف أخرى في مباريات الكرة وتنس الطاولة والشطرنج. والحقيقة أن هذا الصديق لم يكن حالة فردية خاصة، لأنه كان يعكس حالة عقلية عامة تميل إلي الفرجة أكثر من التفكير، ويمكنك أن تشهد منطق ” الفرجة” هذا في الكثير من مناحي حياتنا السياسية والاجتماعية، بل وتتجلي في حياتنا اليومية التي فقد فيها الناس روح المبادرة أو المشاركة.
ويرجع الأمر، في شق كبير منه، إلى مباريات الكرة التي رسخت ثقافة الفرجة والتشجيع. “فالتشجيع الرياضي، خاصة في مباريات الكرة، إنما يكشف عن نوع من العجز لدى المشجع. وهو من منطلق هذا الشعور، الذى يكون في اللاوعي غالباً، يطلق صيحاته، وينبري للدفاع باستماته عن مصالح وأشخاص لا تمت له بصلة مباشرة أو حقيقية. فالكرة، مثل الدين، ينحاز إليها الإنسان بالوراثة أولا، ثم بالحجة والاقتناع بعد ذلك. وفى هذا السياق، لا يمكنك أن تعثر على سبب وجيه لانحياز مشجعي الكرة إلى ناد كروي دون آخر. ومهما قيل عن مناقب الفريق الذى يلعب باسم هذا النادي، فلن يكون الأمر مقنعا، لأن آراء المشجعين كلها تنبني على العاطفة والانفعال، ولا مجال فيها للعقل أو المنطق” ( انظر مقالنا “فلسفة التشجيع.. فلسفة العجز عن الفعل”، المنشور بصحيفة المثقف الإلكترونية).
ويتضح الأمر بصورة أوضح في مباريات كأس العالم، فعندما نعجز عن المشاركة في البطولة ونخرج من التصفيات، نقوم بالانحياز والتشجيع لفرق أخرى أكثر قدرة على الفعل وتحقيق النصر الحقيقي، كما يتضح في حالة وصولنا إلى البطولة واخفاقنا في التأهل للدور التالي بمجهودنا نتيجة لضعف نتائجنا، فنقوم بتشجيع الفريق الذي يمكنه أن يحقق نتيجة إيجابية تضمن له الصعود بشكل أصلي وتضمن لنا الصعود أيضا لكن بالتبعية!
والظاهرة التي تستحق التأمل هي أن الفرجة والتشجيع يؤديان إلى الانحياز، ومن ثم الانقسام، فيحدث كثيرا أن نجد أنفسنا كأحد طرفي صراع في قضية لا تعنينا أو، على الأقل، لا نملك القول الفصل فيها. وهنا لا نحاول أن نتخلى عن موقفنا ونرصد الأمر بعقلانية وموضوعية أكثر، وإنما نصر على التمسك بمواقفنا، التي هي في الغالب لا تجاوز الحرب الكلامية التي لا تقدم أو تؤخر، وإنما تشعرك فقط بحضور زائف، ناجم عن انتصارات وهمية لم تحققها بنفسك، ولكن بأقدام الآخرين أوأسلحتهم، في المباريات أوفي الحروب!
وفي السياق نفسه، سألني زميل في العمل، خلال الأيام الماضية، عن موقفي من الحرب الروسية الأوكرانية، ولشد ما كانت دهشته عندما ذكرت له أني متابع غير جيد للأحداث، وأوضح لي أنها ليست مجرد حرب بين دولتين وإنما هي صراع دولي بين تكتلات سياسة تحكمها مصالح كبري متعارضة من شأنها أن تؤثر على العالم كله خلال السنوات القادمة. وعندما سألته عن موقفنا كعرب، أجاب بأن الموضوع أكبر منا، وحتما ستحسمه الدول الكبرى، لكنه على أي الأحوال يجد متعة في متابعة الأحداث!
والسؤال الذي يطرح نفسه، وسنحاول أن نجيب عنه في هذا المقال هو: إلى أي مدى يمكن أن نتعامل مع الأمور السياسية كما نتعامل مع الألعاب؟ وإلى أي مدى يمكن لاستراتيجية “الفرجة” أن تساعد في فهم الأحداث والتأثير فيها؟ وقبل هذا وذاك ينبغي أن نجيب عن السؤال التالي: كيف تشكل العقل العربي على هذا النحو بحيث صار يميل للفرجة أكثر من المشاركة؟
الوعي العربي المتفرج:
إذا أردنا أن نقف على الأسباب التي جعلت الوعي العربي، الجمعي بخاصة، يميل إلى الفرجة إزاء الأحداث الكبيرة التي تمس حياته الحاضرة ومستقبله القادم، فلن نجد أنسب من الأعمال الأدبية التي قامت بتحليل هذا الوعي في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها الأوطان. وفي هذا السياق حرص نجيب محفوظ، في أكثر من رواية، على أن يجسد هذا الوعي من خلال تعاطيه مع أحداث الحرب العالمية الثانية.
ففي رواية “خان الخليلي” نقرأ هذا الحوار بين أبناء الحي بعد سماعهم لطلقات نارية مدوية تضئ السماء بالأنوار الكاشفة:
” – لن تُعاد مأساة الضرب الأعمى..
– لقد اعتذر راديو برلين عن غارة منتصف سبتمبر!
– كانت غارة إيطالية، فالألمان لا يخطئون!
فابتسم أحمد راشد -استطاع أن يبتسم ثانية-
وقال لصاحبه:
– أرأيت إلي هؤلاء المتعصبين الألمان؟!.. وأنت؟! .. هل أنت كهؤلاء؟!
وكان عاكف يتلذذ -كعادته- بمشاركة المغلوبين عواطفهم، ولما كانت الغلبة للألمان في ذاك الوقت فقد قال بغير تردد:
– كلا.. إني مع الحلفاء قلبا وقالبا، وأنت؟!
فسوى المنظار الاسود على عينيه وقال:
– لي أمل واحد: أن ينتصر الروس ويحرروا الدنيا من الأغلال والأوهام!”.( نجيب محفوظ، خان الخليلي، مكتبة مصر، ص ص٧٠-٧١)
هذا الانقسام، في الوعي الجمعي، حول حرب عالمية لم نكن طرفا مباشرا فيها، وانحيازنا المتعصب لدول أجنبية تخوض حروبها المصيرية بنفسها من أجل قضايا، عادلة أو ظالمة، تؤمن بها، إنما يرجع إلى أسباب تخص الداخل، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، ساهمت جميعها في تشكيل نمط من الوعي الذاهل والعقلية الانهزامية التي فقدت ثقتها بنفسها، فراحت تبحث عن الحل في الأنا الماضي (البعيد زمانيا) أو الآخر المعاصر (البعيد مكانيا) وكلاهما بعيد ثقافيا وعلميا.
فالوعي الشعبي يحتمي بالدين بنحو ما نلمح في مقولة والد أحمد عاكف الذي انتقل بالأسرة من حي السكاكيني، الذي تعرض للغارات، للسكن بحي الحسين الآمن:
“هذا الحي في حمي الحسين رضوان الله عليه، وهو حي الدين والمساجد، والألمان أعقل من أن يضربوا قلب الإسلام وهم يخطبون ود المسلمين؟. ( المرجع السابق، ص١٠)
والوعي المثقف يحتمي بالحكمة القديمة المستخلصة من الشعر رمز الماضي، بنحو ما نجد في شخصية أحمد عاكف الموظف المثقف تقليديا، أويحتمي بالفلسفات المعاصرة، كالفرويدية والماركسية، بنحو ما تبدي في حوارات المحامي الشاب أحمد راشد، الذي كان يرى الامل في روسيا الشيوعية أن تنقذ العالم من الأوهام والأغلال.
والحقيقة التي لا يمكن إغفالها أن شخصيات الرواية التي تشكل العقل الجمعي، إنما تصدر في سلوكها عن وعي مأزوم بحيث لا تملك القدرة علي حل مشاكلها الفردية فضلا عن أن تحل مشاكلها الوطنية والقومية. فنقرأ عن شخصية أحمد عاكف:
“وانقضت بعد ذلك عشرون عاما من حياته وقلبه من الحياة خواء يكابد مرارة عيشة فقيرة حقيرة مترعة بالتبعات ضيقة الامل. ولو سكنت ثائرته لأمكنه أن يجد في حياته من لذات التضحية والقيام بالواجب ما يعزيه عن خيبة آماله جميعا”.(نفسه، ص٣٦).
وإذا كان العجز هو السمة المميزة لشخصية أحمد عاكف، فإن اللامبالاة هي ما يميز شخصية المعلم نونو خطاط الحي، وهو يلخصها في شعار ذي دلالة يعكس فلسفته في الحياة برمتها، فيقول:
“أجل ملعون أبو الدنيا، هذا شعار الاستهانة لا اللعن أو السب. ولكن هل تستطيع أن تلعنها بالفعل كما تلعنها باللسان؟ هل تستطيع أن تستهين بها وتضحك منها إذا أفقرتك؟. وإذا عرتك؟ وإذا كربتك؟ وإذا أجاعتك؟ صدقني أن الدنيا كالمرأة تدبر عمن يجثو بين يديها، وتقبل على من يضربها ويلعنها، فسياستي مع الدنيا ومع النساء واحدة”.(نفسه، ص٤٤)
وبعد العجز واللامبالاة يأتي الذهول كأحد تجليات الوجود الجمعي المتهافت، فنجد القهوجي الذي يتعاطى الأفيون بشكل دائم بحيث يؤدي عمله في حالة من الشرود وكأنه في حلم لا يريد أن يصحو منه أبدا، وعندما يتساءل أحمد عاكف: وهل تطيب الحياة علي هذا النحو؟! يجيب أحمد راشد:
“لا أدري!… المؤكد فقط أن اليقظة التي نحبها ونستزيد منها بالقهوة والشاي يمقتها الرجل وكثيرون أمثاله: وتراه إذا أجبر بسبب ما، على البقاء فيها مدة، متثائبا، دامع العينين، شرس الخلق، ولا تسكن ثائرته، ويصفو مزاجه حتي يغيب عن الوجود، ويهيم في عوالم الذهول”.(نفسه، ص٥٥ )
ويُلاحظ أن كل نمط من الشخصيات، العاجزة واللامبالية والذاهلة، تحاول، بحيلة ما نفسية، أن تعوض ضعفها بأن تعزي إلى نفسها نوعا وهميا من القوة، يذكرنا بدون كيشوت الذي كان يحارب طواحين الهواء. فهناك دائما حروبا داخلية وانتصارات وهمية تحدث بالتوازي مع الحروب الحقيقة التي لا يملكون لها دفعا. فأحمد عاكف يلوذ بقراءة الكتب، ويحاول أن يجعل من نفسه مثقفا يباهي بمعارفه، المتواضعة قياسا بثقافة العصر، أمام الآخرين ممن لا تستهويهم القراءة ويقنعون بمعلومات سطحية ومغلوطة تنقلها إليهم الصحف الرسمية والإذاعات الموجهة لتكون مادة للثرثرة على المقاهي، وعن شعوره الكاذب بالتفوق نقرأ:
“لم يخامره شك قط في تفوقه على هؤلاء الناس من جميع الاعتبارات والوجوه، فهو من أهل السكاكيني وهم من أبناء الدراسة أو الجمالية!، وهو المفكر والعقل الكامل وهم لا شيء من هذا جميعه. بل خال أن وجوده بينهم تعطف جميل وتواضع محبوب”.(ص٤٨)
ويتخذ المعلم نونو من الفحولة الجنسية سببا خفيا للتعويض به عن ضعفه في نواح أخري وقلة حيلته في مواجهة تحديات الحياة والمعيشة الصعبة، فلديه زوجات أربع وخليله، وعندما يسأله أحمد عاكف “أليس الأربع لأكثر مما ينبغي؟!”, يجيب بكل فخار:
“ليتهم كفينني، أنا والحمد لله أكفي مدينة من النساء، أنا المعلم نونو والأجر علي الله”.(ص٤٥)
ويمكن أن يُقال الشي نفسه عن القهوجي الذي يستمد أهميته الزائفة من كونه يجلس علي صندوق الماركات بالقرب من جماعة الحي التي اعتادت أن تتسامر ليلا في المقهى ويشاركهم الحديث. ولا يمكننا القول إنه يملك سلطة ما تجعله يشعر بالحيثية، لكن يمكننا أن نقول إنه يشعر الآخرين بالندية بالرغم من تفوقهم المهني والتعليمي بالنسبة إليه من جراء هذه المشاركة الجوفاء في الجلسة وفي الثرثرة، فنقرأ:
“واحتلت الجماعة على صغرها أكثر من ثلث القهوة، وجلس القهوجي إلى صندوق الماركات على كثب منها وكأنه -لاشتراكه في أحاديثها- واحد منهم”.(ص٤٩)
وتجد هذه الأهمية الكاذبة حتي مع الأعداء الذين يملكون القوة والسيطرة، ومن ثم القدرة علي المنح والمنع، بل والتقييم بحيث يمنحون ثقتهم فيمن يستطيعون تحقيق أكبر استفادة منه، فيقول حسين كرشة في رواية “زقاق المدق”:
“ومتي تظن الحرب تنتهي؟! لا تغرنك هزيمة الطليان، فأولئك لا حساب لهم في الحرب، ولسوف يحارب هتلر عشرين عاما!. والانباشي جوليان من المعجبين بشجاعتي، ويثق في ثقة عمياء، وبفضل هذه الثقة يسرحني في تجارته الواسعة من تبغ وسجاير، وشوك وسكاكين، وملاءات أسرة، وجوارب وأحذية!.. دنيا!”.(زقاق المدق، مكتبة مصر، ص٣٧)
غير أن أهم ما يميز هذا الوعي الشقي أنه يجد في اللعب ملاذا لقضاء أوقات فراغه، ففيه تسليه وفيه مجال للمنافسة والانتصار بنحو لا يكلف الإنسان سوي المزيد من تبديد الوقت. فتنقسم المجموعة بحيث يلعب بعضها الدومينو ويلعب بعضها الآخر النرد، ولا يبقي سوى المثقفين الوحيدين أحمد عاكف وأحمد راشد، فيواصلان الحوار والمناظرة بنحو ينطوي في داخله علي فكرة اللعب، فنقرأ:
“وكان سرور المحامي الشاب بعثوره على إنسان مثقف لا يعادله سرور، فرغب في المناظرة رغبة قوية، وأدنى كرسيه إلى كرسي صاحبه”.(خان الخليلي، ص ص٥٦-٥٧)
فإلي أي مدي يمكن أن ترتبط السياسية باللعب؟
السياسة واللعب:
في مقدمة كتابه ” ألعاب السيرك السياسي” يحدثنا مصطفى محمود قائلا:
“السياسة أصبح لها ظاهر وباطن.. التصريحات على اللسان أحلى من العسل، وما تخفيه القلوب أوامر بالقتل وتعليمات بالنسف”.(ص٦)
ويقول في موضع آخر من المقدمة نفسها:
“وألعاب السيرك يغطى بها اللاعبون ألعاب أخرى، تمثيلية وراءها تمثيلية، ووراء الكل مصالح لناس أقوياء”.(ص٨)
وواضح أن مصطفى محمود يستخدم المجاز للتعبير عن ألعاب السياسية، فالألعاب التي يستحضرها للكشف عن الحيل السياسية هي ألعاب السيرك، لأن فيها إثارة وفيها إبهار وفيها تأثير على المتفرجين، وتحديدا تشير الكلمات إلى ألعاب الحواه، لأنها تعتمد على الإيهام بغير الحقيقة عن طريق إظهار شيء واخفاء شيء آخر مغاير.
ويعبّر هربرت شيللر عن المعني نفسه تحت مقولة “التضليل” قائلا:
“إن الأفكار التي تنحو عن عمد إلي استحداث معنى زائف، وإلى إنتاج وعي لا يستطيع أن يستوعب بإرادته الشروط الفعلية للحياة القائمة أو أن يرفضها، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، ليست في الواقع سوى أفكار مموّهة أو مضللة”.(المتلاعبون بالعقول، ت: عبد السلام رضوان، عالم المعرفة، ١٩٩٩م، ص٤)
ويضع شيللر أجهزة الإعلام الأمريكية كنموذج للتلاعب بالعقول، ويكشف عن الآليات التي تعمل بها هذه الأجهزة، فإذا كان مديرو أجهزة الإعلام حواه ولاعبي سيرك، بنحو ما وصفهم مصطفى محمود، فإن شيللر يعمل علي فضح حيلهم وألاعيبهم، فيقول في الموضع نفسه:
“يقوم مديرو أجهزة الإعلام في أمريكا بوضع أسس عملية تداول “الصور والمعلومات”. ويشرفون على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها، تلك الصور والمعلومات التى تحدد معتقداتنا ومواقفنا، بل وتحدد سلوكنا في النهاية”.
والوسائل التي يستخدمها المتلاعبون بالعقول عديدة بحيث تشمل الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتليفزيون، ويمكن أن نضيف إليها وسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تكن موجودة في زمن نشر كتاب شيللر.
وبنحو ما جسّد محفوظ الحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تساعد في إخضاع الشعوب للوهم الذي تصدره الآلة الإعلامية المضللة يذهب شيللر إلى أن تقسيم المجتمعات إلى طبقات غنية وطبقات فقيرة، والعمل من قبل السلطات الحاكمة علي إبقاء هذا التقسيم كما هو عليه، باعتباره ظاهرة طبيعية، دون تغيير عبر سنوات طويلة، هو ما يجعل الطبقات الفقيرة، المقهورة، تفقد حماسها في التغيير، وتسلم بالقهر كأمر واقع.
وهنا ينبغي أن نلاحظ أن فكرة اللعب لها جانبان، يرتبط الأول بالأداء، ويرتبط الآخر بالفرجة. وفي مجال السياسة يكون الحكام والقادة هم اللاعبون، بينما تكون الشعوب، المغلوبة على أمرها، هم المتفرجون، كما أن جانب الفرجة يمكن أن يطال الحكام أنفسهم في حالة الصراع بين قوى عظمى كما كان الحال في زمن الحرب العالمية الثانية، وكما كان بين أمريكا وروسيا أثناء الحرب الباردة، وكما هو الآن بين أمريكا وأوروبا من ناحية وبين روسيا والصين من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق بات تشبيه الصراع الدولي بالمباراة أمرا مألوفا ومستساغا في الأدبيات السياسية المعاصرة، وبهذا المعني ليس من الغريب أن نقرأ مثل هذه الفقرة في واحد من كلاسيكيات الكتب المعنية بالتحليل السياسي:
“نستطيع تصور التفاعل بين الدول في شكل مباراة، يعني تنافس الدول للحصول علي مغنم. ولا تتضمن بعض أنواع المباريات أكثر من رابح واحد، وقد يوجد في المباريات الأخرى عدة رابحين أو خاسرين، على أن العنصر الأساسي في السياسة عندما تتخذ شكل المباراة هو ظاهرة الاعتماد المتبادل بين الاستراتيجيات التي يتبعها كل لاعب (أو كل بلد)، فلابد أن يعمل اللاعب حسابا لمصالح الخصم واستراتيجياته. ويتحقق أفضل طريق للعمل إذا أحسن كل لاعب توقع ما يفعله الآخر”.(جرج كاشمان، لماذا تنشب الحروب؟، ت: د. أحمد حمدي محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٦م، ج٢، ص٥٩)
الفرجة كأداة لفهم اللعبة السياسية:
لا يمكن بأي حال من الأحوال فهم الألعاب السياسية عن طريق الفرجة بمعناها السطحي المباشر. فمن معاني الفرجة في اللغة ” مشاهدة ما يتسلى به” ، ولا جدال أن هدف التسلية لا يكفي لفهم الأمور التي تحيط بالإنسان، خاصة إذا كانت من ذلك النمط الذي لا يأتي إلا بنحو مراوغ، ويحتاج إلي الكثير من الفحص والتحليل، مثل السياسة.
وبهذا المعني، ينبغي أن تتحول ” الفرجة المحض” إلي نوع من “التأمل العميق”. ينبغي أن يسعى الوعي إلى التحول من السكون إلى الحركة، من محض الفرجة إلى المشاركة في اللعب. وفعل المشاركة هنا يُقصد به المشاركة العقلية عن طريق التفكير المنتج الذي يسهم في تكوين رأي ومن ثم يسهم في صناعة القرار.
والأساس النظري لهذا التحول الكبير يمكن أن نلتمسه عند كاشمان عندما يقول:
“قد تساعد نظرية المباراة في تيسير فهمنا لشتى التفاعلات الدولية التي يخططها طرف ما لمواجهة أفعال واستراتيجيات الآخرين، كما هو الحال في تفاعلات الأزمات والمساومات الدبلوماسية وسباقات التسلح والردع والتعبئة السابقة للحرب والتنافس الاستعماري وغير ذلك”.(المرجع السابق، ص ص٥٩-٦٠)
والحقيقة أن المباريات السياسية معقدة جدا، فليست كل القرارات الدولية في صالح العالم، وليست كل قرارات الحكام في صالح الشعوب. ومن ثم شغلت نظرية المؤامرة مساحة لا يستهان بها في وعي رجل الشارع، في السنوات الأخيرة، خاصة أثناء جائحة كورونا، وفيما عُرف باتفاقية القرن، والآن في حالة الغزو الروسي لأوكرانيا.
ولأننا نركز في مقالنا علي الشعوب العربية ووعيها الجمعي، فينبغي أن نلفت النظر إلى أهمية السوشيال ميديا في تأثير الوعي الجمعي المتأمل للأحداث على قرارات الحكام، أو على الأقل لفت نظرهم إلى اتجاه ما بعينه. فمهما كانت قوة اللاعبين الفاعلين في المشهد، دول كبري أو حكام محليين، فإن وسائل التواصل الاجتماعي صارت أداة ذات تأثير لا يُستهان به، خاصة إذا أجاد الأفراد مجاراة أصحاب القرار في اللعب من خلال قراءة المشهد جيدا وتوظيف مصادر المعلومات المتعددة (أخبار، تصريحات، مقالات، مقاطع فيديو).
والواقع الذي لا يمكن إغفاله أن المواطن العادي يمكنه، من خلال الموبايل، الوصول إلي حد أدني مرتفع من المعلومات عن الأحداث الجارية، ولا يبقي سوى أن يدرب نفسه على التعامل مع المعلومات الغفل التي يحصل عليها بالرصد والمقارنة والتحليل، وأن يتعامل مع المواد التحليلية بعقلية نقدية تأويلية. وربما تبدو المسألة صعبة ومعقدة، غير أن طبيعة العصر الذي نعيشه، وما يمتاز به من وفرة في المعلومات ووجهات النظر المتباينة تجعل المسألة برمتها ليست ببعيدة عن متناول الرجل العادي.
فقط ينبغي أن نتعلم فن التساؤل، وأن نجتهد في البحث عن الإجابة. وأول هذه التساؤلات، علي سبيل المثال، التي كان ينبغي طرحها إزاء الحرب الروسية الأوكرانية: لماذا قامت هذه الحرب الآن؟ ماهي تبعاتها؟ ما موقف العالم منها؟
والأسئلة طُرحت بالفعل، وتباينت الإجابات، فالتهديد الأوربي لروسيا من جهة أوكرانيا كان التفسير الأبرز، غير أن أحلام بوتين باستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى كان تفسير له وجاهته، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين توقفوا عند عبارته “لا يمكن أن يوجد العالم بغير روسيا”، وفسروها علي أنها تهديد باستخدام القوة النووية، لأنها، في التحليل الأخير، عبارة تصف موقف بوتين بأنه موقف وجودي يرهن وجود العالم كله بوجود روسيا، أو أنه يضع العالم كله في كفة ويضع روسيا وحدها في كفة!
وبالمنطق التحليلي نفسه يمكن للمتأمل أن يقرأ الموقف العربي من الحرب عندما عبّر بعض الرؤساء عن موقفهم المحايد بمقولة “نتابع بقلق…”. فالقلق مصطلح وجودي يعبّر عن شعور العرب بالخوف من المصير الكارثي الذي ينتظر العالم إذا لم يُحل الأمر سلميا. والأمر برمته يشير إلى أن ثمة أزمة عالمية، عسكرية أو اقتصادية، تلوح في الأفق.
وهذا يدفعنا للتساؤل عن الأسباب التي كانت وراء المواقف العربية المتباينة من الحرب، فالبعض كان رافضا (وهو القطاع الأكبر) ، والبعض الثاني كان محايدا (وهو القطاع الأقل) بينما كانت سوريا هي الطرف الوحيد الذي كان مؤيدا للغزو الروسي. ولا يخفي أن المصالح هي التي تحدد المواقف السياسية بعامة. فالذي يجد مصلحته مع أمريكا وأوروبا ينحاز إليهما ضد روسيا، والذي يجد مصلحته مع روسيا ينحاز إليها ضد أمريكا وأوروبا، وفي هذا المعنى يرى الجانب السوري أن خريطة العالم الجديد تحتم الانحياز إلى روسيا بعد أن أثبتت الأحداث، في السنوات الأخيرة، أن أمريكا وأوروبا لم تقدما للعرب ما يجعلهما جديرين بالثقة كحلفاء مخلصين بنحو ما فعلت روسيا، خاصة تجاه مصالح سوريا وليبيا.
والذي يهمنا في هذا الجدل الدائر، هو ضرورة التربية السياسية التي ينبغي أن يتحلى بها الوعي العربي بحيث يتعلم من الممارسات اليومية التي تمس حياته الراهنة ومصيره المستقبلي، حتي يمكنه أن يتحول من موقف المتفرج إلي موقف اللاعب.
والمسألة الفارقة، من وجهة نظرنا في هذا السياق، هو ضرورة أن يطرح المواطن العربي هذا التساؤل في كل مرة تتخذ فيها البلدان العربية قرارا مصيريا يخص الشأن العام: إلي أي مدى تصب المصلحة التي يستهدفها القرار في صالح الحكام، وإلى أي مدى تصب في صالح الشعوب؟

