د. ماهر عبد المحسن


إذا ما أتيحت لك الفرصة، لتدخل غرفة الشاعر المصري ابراهيم محمد ابراهيم ، التي كان يقطن فيها في حي بولاق الدكرور أيام الجامعة، منذ سنوات بعيدة، وتقرأ عباراته التي اختارها بعناية مثقف وجنون مبدع لتعلو الجدران الكالحة وتكون شاهدة على التاريخ. وإذا ما كنت دقيق الملاحظة، و التقطت بعينيك الفاحصتين تفاصيل الأثاث البسيط، الذى لم يزد على سرير ومكتب وخزانة كتب، و ديوان مفتوح لصلاح عبد الصبور، يحمل عنوان “أحلام الفارس القديم”، فستدرك سريعاً أنك أمام شاعر لا يكتب الشعر، لكن يعيش الشعر ويتنفسه..
ربما لا تكون في حياة إبراهيم أحداثاً كبرى، لكن هناك أفكاراً كبرى ومشاعر كبري. فهو من ذلك الصنف من الشعراء، الذين لا يفصلون بين حياتهم وإبداعهم، فمعاناتهم هي خبزهم اليومي الذى يطعمون به المخيلة، وقربانهم الذى يقدمونه إلى ربات الفنون. كما أن شعرهم هو مدينتهم الفاضلة، و أحلامهم بعيدة المنال. ويؤكد هذا المعنى كلمات إبراهيم نفسه التي تصدرت ديوانه الجديد “قبلات مستعملة”، الصادر حديثاً عن دار روافد للنشر والتوزيع:
“من رأى فى المنام شجرة مقطوعة
أو قطة مقتولة
أو حائطاً منهاراً
فقد رآني” (ص٤).
فهناك تماه بين الشاعر والطبيعة، بين الطبيعة والحلم، بين الشاعر والشعر.
ومن منطلق هذا الفهم يمكن قراءة الديوان، الذى اختلط فيه الواقعي بالحلمي، الطبيعي بما بعد الطبيعة، الإنساني بالإلهي.
1- جدل الواقعى والخيالى:
يمنح إبراهيم محمد نفسه مساحة كبيرة من الحرية في التحرك عبر مفردات الواقع وتهاويم الخيال، دون حد. يأتي ذلك على مستوى البنية وعلى مستوى المعنى. فعندما نقرأ:
“قلبي معلق بستائر روحك
حتي صار قطعة من ثيابك” (ص٢)
ندرك إلى أي مدى يشتبك العالمان المادي والروحي، وإلى أي مدى تحتوى الجملة الشعرية الواحدة على مفردات تنتمى للوعى (القلب والروح) وأخرى تنتمى للمادة (قطعة من ثيابك).
ويتأكد المعنى نفسه في جملة أخرى معبّرة يقول فيها:
” كلما ندلك أحلامنا المرتخية
ينتصب الأسى!” (ص٣).
فالجملة تجمع بين المعنى الحسي المبتذل وبين الدلالة الشعرية التي تسمو بالواقع الحسي حتى يصل إلى مستوى الحلم.
والحقيقة أن جدلية الواقعي والخيالي تعد واحدة من المفاتيح المهمة لفك شفرات الكثير من قصائد الديوان، وإن الشاعر فى الواقع، لا يقدم صوراً مركبة أو معان ملغزة، بل إن أهم ما يميز أسلوبيته هو قدرته على توصيل رسالته من أقرب الطرق وأيسرها، دون أن ينتقص ذلك من جمالية القصيدة.
فى قصيدة “هالات قديمة” نشهد تجربة إنسانية رهيفة مغلفة بالشجن، تعبّر عن حالة قاسية من الغياب الإنساني الذى يترك آثاره الواضحة على أشياء حجرة قديمة غادرتها صاحبتها ذات يوم غامض، بعد رحلة من المعاناة المتواصلة، الصامتة. ويتبدى الجدل بين الواقعي والخيالي، في قدرة الشاعر علي خلق حضور شبحي مواز يعوّض حالة الغياب المتأزم، وذلك من خلال نوع فريد من التآلف البديع بين الأشياء والشبح القادم من رحم الغيب، ليبدد الوحشة، ويبث الحياة في عالم ماتت مفرداته بعد أن رحلت صاحبته عن الدنيا.
ولن نجد أبلغ من هذه الكلمات تعبيراً عن هذه المرثية الجميلة المثيرة للشجن:
“الغياب يرتدى شالها الآن
والغرفة متوترة
لم تقل الأشياء شيئاً حين غابت
كأنها اعتادت غربتها التي سجلتها في صندوق الهدوم
وأوصت ألا تبكي عليها الكراسي
كيلا يدرك الشبح الذى يعاودها كل ليلة
أنها ماتت” (ص٦).
يخترع الشاعر صوراً مدهشة، تتكئ على نفس جدلية الواقعي والخيالي، فالمجاز اللغوي يغلب على مفرداته، بحيث لا تمضى الجملة الشعرية، معتمدة على إشارية اللغة وحدها، حتى النهاية. إن جمالية القصيدة تستمد ألقها من المعنى والمبنى في الآن نفسه. ويجيد شاعرنا إدارة هذا الجدل ببراعة، من خلال تضفير عناصر العالم الحقيقية والمجازية، ما يضفى على اختياراته الجمالية بعداً سريالياً لافتاً.
في قصيدة “مرتبكة” يقدم تجربة لا تقل إنسانية عن باقي قصائد الديوان، غير أنها تجربة من نوع خاص، لأنها تحمل قدراً خفياً من التعاطف مع الضعف الإنساني. فلا يبحث في الأسباب التي دفعت الشخصية إلى ممارسة الرذيلة، ولا يعمل على تبرير الخطيئة، لكنه، ومن خلال منطلق إبداعي يجيد التعامل مع مفرداته، يخلق عالماً سريالياً موازياً، يطالب الشخصية المأزومة بأن تصدّره للوعى الجمعي، الذى تربى على خطاب الكراهية، الذى لا يعرف سوى الإدانة.
فيقول:
“لا معنى أن تتشكل روحك على هيئة طبق فاصوليا
ملقي فى الحوض
فى انتظار أن تهشي غيمة على سريرك
ضعي صداعك فى كيس أسود
على درج البيت
واطرقي باب الجيران
أخبريهم أنك لست هنا
أن صراخك المتكرر قبيل الفجر ليس دليلا على وجود أحد معك
وأن ما وقع من غريب ليس حافظة نقود
أقنعيهم مثلاً أنها قطة ميتة
أتت تلعق ما تبقى من فاصوليا بائته” (ص٢٨).
وتكشف الصور المتتالية لقصائد الديوان أن جدلية الواقعي والخيالي، هي وجه آخر لجدلية الحضور والغياب. فالحضور دائماً يكون واقعياً، يمكنك أن تلمسه فى أشياء العالم المادية، التي هي في الغالب عند الشاعر، أشياء مادية ذات صبغة إنسانية، بينما يكون الغياب مجازياً يخترعه الشاعر اختراعاً. وهو يقوم بذلك من منطلق حرية الحركة التي منحها لنفسه، بحيث يخلص للعالم المادي الواقعي إذا شاء، أو يعمل على صناعة عالم مواز، يستكمل به عالمه الواقعي الناقص، أو يستبدله كلية إذا كان عاجزاً عن تحقيق أحلام الشاعر البعيدة أو حتى مطالبه اليومية ذات الطبيعة الطفولية البريئة.
وبهذا المعني، لا يتوقف الشاعر عن اللعب المجازي للغة، بحيث يصنع طوال الوقت أشباحاً وجنيات، يدمجها فى عالمه الذاتي ببراعة، لتحل أزماته الوجودية المستعصية، أو تفكك معضلات العالم الغارقة فى الغموض.
ومثال الحالة الأولى قصيدة “الشبح” القصيرة التي يقول فيها:
“ابقى إذن على الباب، فأنا لست هنا حينما فتحت
كأنني شبح أتحسس بالكاد نهديك وأنت تهشين براءتك
كأنك غائبة لا ترينني ولا أراك….” (ص٥٤).
ومثال الحالة الأخرى قصيدة “كارما”، التى يقول فيها:
“كانت تأتيني جنية كل يوم
تنام معي
وتلهو معي
وتبكي معي
وكنت حينما أجوع تطعمني ثماراً ناضجة
تنمو من فوقي. وتحميني حينما ألهو في حارتنا من بطش صبية قبيحين” (ص٥٨).
وفى كل الأحوال نحن أمام ذات مأزومة، تجد صعوبة في التعاطي مع العالم، فتلجأ للحيلة اللفظية وللخيال المبدع، من أجل خلق مساحة وجودية لها حتى تتمكن من التعبير عن نفسها ومعاناتها التي ربما لا يشعر بها أحد.
وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إننا أمام شاعر مدرك لأهمية الكلمة ولقدرتها على التغيير. ربما تكون تجربة الشاعر، فى معظم قصائد الديوان، ذاتية، لكنها، فى التحليل الأخير، تعكس قوة اللغة وقدرتها السحرية على خلق عوالم غرائبية كاملة، وكذا بث روح السحر في تفاصيل العالم اليومية البسيطة، التي تبدو خالية من كل سحر وأى غرابة. بعبارة واحدة، الشعر، عند الشاعر، مقاومة، وإن جاءت ذاتية وفردية، غير أنها تصلح لأن تكون أساساً لحركات تغيير ثورية. فالفنون بعامة، والشعر على وجه الخصوص، يحركون الوعى أولاً، والوعي يحرك الإرادة الراغبة في التغيير.
2- جدل الإنسانى والإلهي:
بعد الجدل الواقعي الخيالي، يأتي الجدل الإنساني الإلهي، كواحد من السمات المميزة لديوان “قبلات مسروقة”. والحقيقة أن الاستراتيجية واحدة، والسر الإبداعي واحد، وهو قدرة المجاز اللغوي التي تحدثنا عنها سابقاً على إزاحة عوالم قديمة وخلق عوالم جديدة، أو الدمج بينهما وصناعة نسيج جديد في شكله وفريد في نوعه. فجمالية إبراهيم محمد تنبع من الحركة الحرة من الواقعي إلى الخيالي، وهنا أيضاً يمكن أن نقول الكلام نفسه فيما يتعلق بالحركة المجازية من الإنساني إلى الإلهي والعكس. فهنا تجد نفسك أمام محاولات صريحة وجريئة لأنسنة الإلهي وتأليه الإنساني، وهى مسألة شائكة على مستوى اللفظ والمعنى. ولا يجد القارئ الناقد، إزاءها، من سبيل سوى التركيز على الوظيفة الجمالية لهذا المجاز، ومدى قدرته على تخصيب التجربة الإنسانية الصرف، بعد أن أضفى عليها الشاعر أبعاداً ميتافيزيقية مفارقة.
فعندما نقرأ عبارة صادمة من قبيل:
“وارتعشت مثل رب في أقانيمه يعبث بأعضائه الداخلية وينزل سرواله كي يبول على جوقته” (عورات، ص١٢).
فلا يمكن أن نفهمها إلا بالمعنى السياسي، خاصة أن الشاعر عندما شبّه نفسه بالرب لم يخلع على نفسه صفات إلهية، وإنما، على العكس، خلع على الرب صفات شديدة الإنسانية. يؤكد هذا الفهم استخدام الشاعر لكلمة ” رب” بدلاً من كلمة ” إله”. فالأولي تعنى، لغوياً، المالك أو السيد، كما نستخدم، فى اللغة الدارجة، تعبيرات من قبيل “ربة البيت” و”رب العمل”.
وبالرجوع إلى عنوان القصيدة “عورات”، ندرك أن الشاعر إنما يهدف إلى تعرية السلطة فى شكلها الإنساني المتدني. يتضح ذلك من هذا المشهد الشعري المعبّر:
” موكب الزعيم يمضى فتصير الأرصفة سحابات
والمارة يعلقون بثوب السماء الذى أطاحت به الريح
فيما تستحي المنازل من عورات الحرس الجمهوري
فتستدير للشوارع الخلفية تاركة مؤخرات هائلة كمريض يمتن لطبيب المسالك المجتهد” (ص١١).
وهى صورة تعكس علاقة المواطنين بالسلطة. وبالرغم من كونها علاقة مختلة، تقوم على القهر من جانب، والخنوع والاستسلام من جانب آخر، غير أن الشاعر نجح، بدافع من رغبة دفينة في الانتقام، في أن يعيد للعلاقة توازنها. والحقيقة أن الشاعر لم يكن متعاطفاً مع الشعب المقهور، ربما لأنه كان رافضاً لاستسلامه المهين، فجاءت صورته الشعرية، المعبّرة عن حالة عامة من العرى، بمثابة الفضح للطرفين.
والحقيقة أن الشاعر كان واضحاً منذ البداية، بالرغم من كثرة الصور الشعرية الكثيفة التي احتشدت بها القصيدة. فمفهوم العرى كان أداته البلاغية التي عبّر بها عن رؤيته ذات الدلالات المتعددة. ليس هذا فحسب، بل إنه قدم للقارئ مفتاح الفهم فى كلمات قليلة وواضحة عندما قال:
“يصير العرى منهجاً مغلفاً بتوابيت البهجة
يشبه أقنعة تفضح الرسائل التي أخفيتها، ولم أمحها” (ص١٢).
وفى موضع آخر يؤكد على القدرة التفسيرية لمفهوم العرى، الذى تجاوز لدى الشاعر المعنى الحقيقي، ليصير مجازاً قادراً على احتواء العالم، بكل مفرداته، فيقول:
“عريك تفسير لفقه سال من قنينة العطر المعلقة على رف خشبي مترب” (ص١٣).
وفى قصيدة ” الأسرى” نعثر على وجه آخر من أوجه أنسنة الإلهي، عندما يقدم الشاعر صورة أسطورية حول مجموعة من الملائكة التي حطت فوق أعشاش الحمام، فما كان منه إلا أن اختطفهم واحتفظ بهم كرهائن في مدخل البيت، كي يساوم عليهم الرب. فيقول:
” سأصعد إلى أعلى سطح من بيوت شارعنا
ربما أخطف ملائكة حطوا على أعشاش الحمام
أحشرهم كرهائن في غرفة مظلمة في مدخل البيت
أساوم بعدها الرب” (ص٢٢).
ففكرة المساومة إنسانية بامتياز، ولا تتسق والطبيعة الإلهية، غير أن الشاعر خلق نوعاً فريداً من المساومة بين البشرى والإلهي، ليس هذا فحسب، بل إن البشرى هو الذى كان يقترح المساومة ويضع شروطها:
” إما أن يبدل قلبي برغيف خبز
وجسدي بعنقود من العنب
يأكلني أولئك الواقفون في نوافذهم الصغيرة
فى انتظار آباء تلاشوا في حرارة الشمس” (الموضع نفسه).
ومرة أخرى، لا يمكن للمعنى أن يستقيم إلا إذا قرأنا النص بنحو سياسي . ولن نجد صعوبة في هذا النوع من القراءة، لأن شاعرنا يأبى إلا أن يضع علامات إرشادية واضحة على الطريق. وبهذه المثابة، يكفي أن نقرأ هذه العبارات:
” وإما أن أنادي هؤلاء الصغار
كى يشاهدوا الأسرى
بزيهم الأبيض
وريشهم الناعم
ورتبهم العسكرية” (الموضع نفسه)
والنص بهذا المعنى يكشف عن نفسه بكل وضوح، فلسنا، في الحقيقة أمام ملائكة، لكن، وللمفارقة، أمام كتيبة عسكرية، فى إشارة إلى رجال السلطة، والطرف الإلهي فى للمساومة، لا يعدو أن يكون الممثل الأكبر للسلطة، الذى يتحكم في العباد بحيث يملك سلطة المنح وسلطة المنع. وبهذا المعنى نجد أنفسنا أمام صورة صارخة للطبقية والعنصرية (ملائكة وشياطين)، و بالتعبير الدارج (ولاد البطة البيضا، وولاد البطة السودا).
وهى أخلاقيات بشرية تعكس صورة الضعف الإنساني تجاه طلب السلطة والنفوذ، والتحكم غير العادل فى البشر، وكلها أوجه من النقص لا تتسق والكمال الإلهي. وهو ما عبّر عنه الشاعر بهذه الكلمات البسيطة ذات الدلالة:
“ليروا كيف هناك يخلق الله مخلوقات نورانية
يختصهم فى سماء منعزلة
ويخلق هنا كائنات سوداء
يضعهم فى كيس بلاستيكي
ثم يقذف بهم إلى نوافذ صغيرة
مطلة على الجحيم” (ص٢٣).
3- جدل الشاعر والشعر:
فى سياق فهمنا لشخصية الشاعر، التي انطلقنا منها منذ البداية، تلك الشخصية التي لا تفصل بين حياتها وموضوعات إبداعها، يمكننا أن نعثر على الكثير من الملامح الجمالية التي اعتمد فيها الشاعر علي خلق حالات، وصور مختلفة من التماهي بين الذاتي والموضوعي.
فالشاعر، يميل إلى أن يلعب أدواراً أخرى، وأن يضفى على ذاته خصائص أخرى. غير أن الملاحظ أنه يقوم بذلك على كافة المستويات، الإلهي والإنساني والطبيعي.
ومثال الحالة الأولى، يمكن أن نقرأ هذه الكلمات:
“سأعمل إلهاً فترة مسائية
عسى أن أحسّن دخلي
كى أسعد ثلاثة أبناء تعساء
أهديهم أكياس الشيبسي والشكولاتة
وأواسي أرملة تفترش ناصية الشارع بالفول النابت” (قصيدة وردية عمل، ص٢٦).
وهنا نلاحظ نفس الاستراتيجية التي يستخدمها الشاعر كثيراً، فهو يحاول أن يؤله الإنساني، إلا إنه ينتهي إلى أنسنة الإلهي في الوقت نفسه. فبالرغم من أنه يصرّح فى المقاطع السابقة بأنه سيلعب دور الإله فترة المساء، غير أنه لا يحدثنا عن قدرات فوق طبيعية تجاوز قدرات الإنسان، ولكن على العكس، يخلع على الإله صفات شديدة الإنسانية، فيقول فى موضع آخر:
“لن أتزوج ثانية
كى لا أسهو عن نصف الكون
سأكتفي بثلاث عشيقات
وحبيبة رومانسية
وعلاقة عابرة” (ص٢٦).
وكما تعودنا، لا يمكن أن تُفهم تلك التجاوزات الفنية، الصادمة للفطرة، والحس الديني السليم، الذى يحتفظ بصورة ذهنية مقدّسة ومنزّهة للإله، إلا إذا رجعنا للإسقاط السياسي، الذى يمكنه أن يعيد الصفات البشرية إلى كائن ذي طبيعة إنسانية، هو في الغالب الحاكم أو صاحب السلطة.
فالشاعر لم يرد من لعب دور الإله سوى إعادة توزيع الاهتمام بين البشر. بعبارة أوضح، تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، وهى الهاجس الذى يؤرقه، ويتردد صداه خلال معظم صفحات الديوان. يتضح ذلك من الكلمات التالية:
“أما أنتم يا أبناء الرب
لن أمنحكم أجنحة كاستثناء فى أيام الآحاد
أو بضعة سحابات في مدخل بيت
متسخ بروث القطط الضالة” (ص٢٦).
لا يحتاج القارئ إلى كثير تفكير حتي يدرك أن المقصود بأبناء الرب هم البطانة أو حاشية السلطان، الذين يتمتعون بكل الامتيازات (أجنحة كاستثناء، بضعة سحابات) ، فى مقابل طبقات كثيرة كادحة من الشعب لا تملك قوت يومها (أرملة تفترش ناصية الشارع بالفول النابت).
فالشاعر هنا ليس مجرد ناظم للكلمات، لكنه شاعر، بالمعنى الإنساني، يستشعر الظلم الاجتماعي، والجور السياسى، ويرغب فى إحداث التغيير. ولأن المجتمع عاجز عن الفعل، فهو يبحث عن قوي عليا تمكّنه من إعادة الأمور إلى نصابها. ولما كانت هذه القوى مفتقدة فى البشر، فهو يلتمسها من عوالم إلهية ذات قوانين خارقة.
والحقيقة أن احتفاظ الشاعر بالخصائص البشرية بالرغم من قيامه بدور الإله إنما يعنى أن الشاعر، المتمرد، لم يكن، في حقيقة الأمر، يهدف إلى الإحلال مكان الإله بقدر ما كان يطمح في الإحلال مكان الحاكم، حتى يمكنه تحقيق العدالة الغائبة. والمفارقة تكمن في دلالة الخطابين، الديني والسياسي، وهى دلالة تجعل الإحلال محل الإله أيسر من الإحلال محل الحاكم.
ففي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ تعالى: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا.. ”
وفى الخطاب السياسي” أنا ربكم الأعلى” لا يسمح فرعون بأي محاولة للوقوف على مستوى واحد مع الأرباب الآخرين، فضلاً عن أن يقف الموقف نفسه إزاء البشر المحكومين!
وكما استعار الشاعر صفات الألوهية، وحاول أن يلعب دور الإله، فإنه يحاول أن يستعير أيضاً صفات الإنسان، فى صورة المحبوبة، التي يعمل على أن يحل محلها، ولو لدقائق قليلة، يرى فيها الوجه الآخر لمعادلة العشق الظالمة، كما معادلة السياسي. وكأن قدر الشاعر أن يكون ضحية التوزيع غير العادل للاهتمام الاجتماعي والعاطفي. يتضح ذلك فى قصيدته القصيرة “تداع حر”، التي هي فى الحقيقة “سقوط حر”، فنقرأ:
“اسمحي لي أن أستعير عينيك
وأن أطل من شرفتك وأنت تلمين الغسيل
عسى أن أراني هناك
جالساً فى المقهى
أغني بصوت متهدج
لوردة سوف تلقينها أمامي
وأنا أسرح كعادتي في شيء آخر
كأنني لا أدري أنك تقصدين شخصا ً سواي” (ص٥١).
ويستمر مسلسل القهر، الذى يكشف لنا الشاعر فى تجربة معبّرة وأخيرة عن أن للقهر تاريخاً اجتماعياً يرجع إلى سنوات عمره الأولى، ويتردد صداه فى الوعى، حتى بعد أن كبر وتجاوز مرحلة البراءة. وفى هذا السياق، تتبدى براعة الشاعر في خلق صورة مبتكرة لفعل القهر، عندما نجده يتوحد مع أدوات القهر نفسها، ساق الكرسي والكوب الزجاجي وزجاجة الخمر، فيقول:
“لم أبلغ السادسة بعد، حينما كنت ساق كرسي يستند على حائط خاشع كنت أعي تماماً ما قصّته عليّ رعشة سقطت من يد أبي
أمامي تماماً
أبي الذى كان يقذفنا بكوب زجاجي بعد أن تنفد زجاجته الخضراء
وحين كبرت صرت زجاجة أهملها في ركن حجرتنا…” (قصيدة نسيان، ص٧٤).
والشاعر هنا لا يتوحد مع أشياء العالم كنوع من التمرد أو المقاومة، كما كان الحال في الصور الشعرية السابقة، ولكنه يهدف هذه المرة إلى نقل تجربة القهر كما هي، من خلال التماهي الوجودي الدال بين الذات والموضوع، أى بين موضوع القهر وأدوات القهر.
ويلخص الشاعر تجربته الجدلية الشاملة في بضع أسطر من قصيدة ” لا تذهب بعيداً” وهو عنوان ذو دلالة تفسيرية مهمة، وكأن الشاعر ينبهنا إلى أن كل شيء من أسرار الديوان كاملة موجود فيها، فلا تذهب بعيداً عنها إذا أردت أن تفهم حكمة الشعر، وخلاصة الجدل بين الإلهي والإنساني والطبيعي. ويكفى أن نقرأ هذه الكلمات حتى ندرك هذا المعني:
” أنا الأرض التي تمشي عليها
أنا إلهك الذى خبأته فى دولاب لا باب له
وأنا البنت التي هجرتك بصحبة شاب ما
وأنا الشاب الذى أخذ عشيقتك
وضاجعها
وأنا السرير الذى ناما عليه” (ص٦٣).
وفى النهاية يمكننا أن نقول إننا أمام شاعر مأزوم، يكتب من منطلق التعبير عن هذه الأزمة، التي هي ليست أزمته وحده، لكنها أزمة كل إنسان ينتمى إلى هذا الزمن .
ويحسب له قدرته على ربط الهم الذاتي بالهم العام، والمزج بين قضايا السياسة وقضايا المجتمع. وفى كل الأحوال، كان حريصاً على ألاّ يقع في شرك التقريرية والمباشرة، فجاء نقده السياسي والاجتماعي مغلّفاً بمسحة إنسانية وعاطفية، ما جعل لجماليات القصيدة الصدارة على المضامين الإشكالية، التي من شأنها أن تفقد العمل نكهته المميزة في فعل التذوق. إبراهيم محمد، شاعر، له بصمة مميزة، وسر مغلق. بالأولى يمكنك أن تتعرف عليه بسهولة، وبالأخير ينبغي أن تتريث قليلاً إذا أردت أن تصدر حكماً منصفاً.
حالات الحلول والاتحاد التي شاعت في قصائد الديوان أضفت عليه بعداً صوفياً موحياً، جعل من الصعوبة فصل الشعر عن الشاعر، بنحو ما يصعب فصل الرقص عن الراقص، خاصة أنه يميل إلى استخدام ضمير المتكلم، و يعبّر عن تفاصيل يومية شديدة البساطة والإنسانية، من خلال لغة سحرية وسطى، تقع بين العادي والخارق للعادة، ما يجعل القارئ دائماً في حالة توتر بين الفهم المباشر للمعنى وبين حاجته إلى إعمال التأويل!













أضف تعليق