د. ماهر عبد المحسن
رولان بارت (1915 – 1980) فيلسوف فرنسي ، وناقد أدبي، ومنظِّر اجتماعي، كتب في العديد من المجالات واقتحم حقولاً معرفية متنوعة، ساهم بنصيب وافر في أبحاث اللغة والسيميوطيقا والبنيوية وما بعد البنيوية. تناول في دراساته فنون القص والتصوير الفوتوغرافي والمسرح.
من أهم مؤلفاته: “لذة النص”، “الكتابة في درجة الصفر”، “الغرفة المضيئة”، “أساطير الحياة اليومية”. تقاطعت جهوده النقدية مع إبداعات الكاتب المسرحي الفرنسي الكبير جان راسين (1639 – 1699)، الذي يعد واحداً من أهرامات ثلاثة في تراجيديا القرن السابع عشر بجوار موليير وكورني، فكتب مؤلفه “حول راسين”Sur Racine متبعاً مدرسة النقد الموضوعاتي التي تركز على الأفكار المحورية، ومستفيداً من التراث البنيوي السيميوطيقي الذي ينتمي إليه، في البحث عما هو أساسي وثابت، وما له دلالة في مسرح راسين. وفى هذا السياق يحاول بارت تقديم تحليل دلالي لعلاقات الحب والجنس والسلطة من أجل الوصول لتحديد مفهومي واضح يتناسب وخصوصية البطل التراجيدي في المسرح الراسينى. ونظراً لضيق المساحة، فإننا سنكتفى بإلقاء الضوء على واحد من المفاهيم الأساسية التي تناولها بارت، والتي يمكن أن تسهم بشكل كبير في فهم تراجيديا راسين بخاصة، وتراجيديا القرن السابع عشر بشكل عام، ألا وهو مفهوم “المكان التراجيدي”.
يقسِّم بارت المكان في تراجيديا راسين إلى مركب ثلاثي من الماء والغبار والنار، رامزاً إلى البحر والصحراء والشمس . فعندما تموت “فيدر”، فإنها تموت فوق تلة مجدبة يغمرها الحصى، وتضع الشمس فوقها فضاءً نقياً، ولا يبقى خارج البيت من تنفس حقيقي سوى الصحراء. ولا يعرف المسكن عند راسين إلا حلماً هروبياً واحداً، هو البحر والسفن. ففي مسرحية “إيفيجينيا” يبقى شعب بكامله أسير التراجيديا لأن الريح لا تهب.
ويستخلص بارت من هذه الجغرافية الراسينية جدلية خاصة بين البيت وخارجه، بين القصر وداخل البلاد، بحيث ينقسم المشهد الواحد إلى ثلاثة أمكنة تراجيدية: الغرفة ، المدخل ، الخارج. “والغرفة” هي المعادل العصري للكهف في الأساطير القديمة، حيث تتربص القوة بمكان مخيف وغير مرئي، والبديل للكهف هو منفى الملك الخطر الذي لا نعرف إن كان الملك فيه قد مات أو مازال حياً.
الغرفة، إذن، هي مأوى السلطة وجوهرها، لأن السلطة ليست إلا سراً، والصمت هو الذي يساعد على استمرار هذه السلطة وتفاقمها. فالأشخاص البكم و”أوركان” الأسود في مسرحية “بايزيد”، هم الذين يحملون الموت، ويطيلون بالصمت والظلام أمد الخمول الرهيب للسلطة المختبئة.
وبعد الغرفة يأتي “المدخل”، المكان الأبدي للتبعات كلها، حيث ينتظر هناك الجميع . فالمدخل مكان تحويل ونقل ، يشارك في الداخل والخارج معاً، في السلطة والحدث، في المحجوب والمكشوف، ولأنه يقع بين العالم الذي هو مكان السعي والعمل، والغرفة التي هي مكان الصمت، فهو، لذلك، يمثل فضاء اللغة. وبهذا المعنى ينطق الإنسان التراجيدي، الضائع بين الحرف ومعنى الأشياء، بأسبابه في هذا المكان، إن المشهد التراجيدي ليس سرياً بالمعنى الدقيق، إنه، بالأحرى، عبور قلق من السر إلى العلانية، من الخوف المداهم إلى الخوف المنطوق. إنه قوة مفروضة ودافعة للشخصية التراجيدية على الحركة.
ولا يكتفي بارت بالتحليل الدلالي للغرفة والمدخل، وإنما يتوقف بينهما ملقياً الضوء على شيء لا يقل تراجيدية عنهما، وهو الباب، الذي يُعد تعبيراً عن التلاصق والتبادل ، عن التماس بين الصياد وفريسته. فعند الباب يكون السهر، وتكون الرعشة، واجتيازه غواية وخرق: إن قوة “آغريبيين” كلها تتحرك عند باب “نيرون”. والباب بالنسبة للسلطة القابعة في داخل الغرفة هو نوع من الحجاب أو الجدار الذي يرهف السمع، إنه رمز للنظر المقنع. وهكذا يتحول المسرح الراسيني إلى مشهد مزدوج، للمشاهد من ناحية، ولغير المرئيين من ناحية أخرى، إن المكان الذي يمثل هذا التناقض التراجيدي أفضل تمثيل هو قصر بايزيد الحكومي.
ويتناول بارت “الخارج” باعتباره المكان التراجيدي الثالث. وليس بين المدخل والخارج أي انتقال، لأنهما متلاصقان بنحو مباشر كما المدخل والغرفة. وبرغم ذلك يعتبر بارت أن “الخارج” هو بمثابة امتداد لما هو غير تراجيدي. فهو يتضمن ثلاثة أمكنة : مكان الموت، ومكان الهرب، ومكان الحدث، فالموت الجسدي لا ينتمي إلى المكان التراجيدي لأنه مشوب بالدنس، والتراجيديا لا تقوم إلا على الموت المتأدب الذي يستبعد كل ما هو مشين وغريب. أما الخروج من المشهد فهو، على العكس، بالنسبة إلى البطل ، موت بشكل أو بآخر.
ولأن التراجيديا ترتبط بنظام اللغة، فإن الخروج من المشهد، هو بمثابة الخروج من التراجيديا. إن الإنسان في مسرح راسين، الذي ينقل خارج المجال التراجيدي هو، بشكل عام، إنسان يضجر. إنه يسير في المكان الواقعي كأنه يسير بين الأغلال (أوريست ، أنطيوخوس ، هيبوليت). وبهذا المعنى يكون الضجر بديلاً عن الموت، لأن أي تصرف يوقف اللغة يوقف الحياة أيضاً.
ويحدثنا بارت عن “الهرب” باعتباره الفضاء الخارجي الثاني، كاشفاً عن أن التلفظ بالهرب مقصور على أشخاص الطبقة الدنيا من الحاشية. فهذه الطبقة هي التي تقدم النصح دائماً للأبطال بالهرب في إحدى السفن العديدة التي ترسى بالقرب من التراجيديا الراسينية في إشارة إلى قرب وسهولة خيار النفي الذي ينبغي أن يسلكه الأبطال.
هذا بالإضافة إلى أن الخارج مكان مخصص للأشخاص غير التراجيديين، كما لو أنه معسكر اعتقال من نوع آخر، ذلك لأن اتساع المكان هو المحظور، وضيقه هو الامتياز.
وعلى ذلك يتحرك أفراد الحاشية : الخدم، الحرس، الرسل، جيئة وذهاباً، وقد عُهد إليهم بأن يغذوا التراجيديا بالأحداث. إنهم – في إطار المكان التراجيدي الذي يجمعهم – أشبه بأمناء سر غير رسميين يصونون البطل من الاحتكاك الدنس بالواقع، ويبعدونه عن المطبخ المبتذل (مطبخ العمل)، ولا ينقلون إليه الحدث إلا مزيناً مردوداً في سببه الصافي.
وهنا يصل بارت إلى الوظيفة الثالثة للمكان الخارجي، وهي الإبقاء على المشهد في نوع من حالة الحجر، حيث لا يستطيع أن يدخل إليه إلا أفراد مكلفون بفرز الأحداث، وباستخلاص الجوهر التراجيدي منها، وألا يعرضوا إلا الأجزاء الخارجية المنقاه، وهي الأخبار التي تضفي عليها الشرف قصص المعارك والانتحارات والعودة والألغاز العجيبة.
وفي هذا السياق يكشف بارت عن التفاوت المادي بين المكانين، الداخلي والخارجي، من خلال تحليله لظاهرة التفاوت الزمني الذي وصفه راسين في مسرحية “بايزيد”. فهناك، بين الزمن الخارجي والزمن الداخلي، زمن آخر هو زمن الرسالة، بحيث لا نكون أبداً على يقين من أن الحدث الذي نتلقاه هو نفسه الحدث الحاصل. فالحدث الخارجي لا ينتهي أبداً، والبطل، المأسور في المدخل، ولا يتلقى من الخارج إلا ما ينقله إليه الوصيف المؤتمن، يحيا في شك مريب .
وفي النهاية ، يمكن القول – باختصار – إن كل شيء في مسرح راسين – على نحو ما يرى بارت – يتجه نحو المكان التراجيدي، لكن كل شيء يحدث فيه كما لو أنه وقع في شرك. إن المكان التراجيدي مكان مذهول، أسير استيهامين أو خوفين: خوف الامتداد الأفقي، وخوف العمق. وبهذ المعنى يتحدد البطل التراجيدي بكونه الشخص الذى يحيا سجين المكان التراجيدي ، والذى لا يستطيع مغادرته دون أن يلقى مصير الموت.

