د. ماهر عبد المحسن
تحول شهر رمضان في مصر، بمرور الزمن، من طقس ديني يرتبط بالعبادة إلى طقس اجتماعي يرتبط بالزيارات والعزومات والموائد العامرة بأطايب المأكولات والمشروبات، ثم إلى طقس فنى تغلب عليه التسلية والرفاهية، خاصة بعد ظهور الراديو والتليفزيون. وبهذا المعنى صار الشهر الكريم موزعا بين قراءة القرآن وصلوات التراويح والتهجد، وبين مشاهدة المسلسلات والفوازير وبرامج المقالب، الأمر الذى تطلب منا التدخل الفلسفي للبحث فى الكيفية التى تحقق بها هذا التحول والدلالة المستخلصة منها، وذلك من خلال مجموعة من التأملات التي سنعرض لها الآن بشيء من التفصيل.
1- شهر رمضان من التراويح إلى التسلية
ارتبط شهر رمضان منذ القدم بالصوم وقراءة القرآن وصلاة التراويح، وهى الصلاة التي يروّح بها المسلم عن نفسه بعد يوم صيام شاق، وإفطار دسم من شأنه أن يبث الكسل في الجسم والخمول في النفس .. وفي مراحل تاريخية أحدث ارتبط رمضان بأنواع معينة من الأكل والشرب مثل الكنافة والقطايف وقمر الدين. وارتبط كذلك رمضان بالزينة، فظهر الفانوس والجامع والقصاصات الورقية التي تعلق على البلكونات والجدران وفي أسقف الحارات بين البيوت، كما تحولت الفوانيس في مرحلة لاحقة من فوانيس تُضاء بالشموع إلى فوانيس تُضاء بالكهرباء، ثم تحولت إلى لعب أطفال وارتبطت بشخصيات عامة وشخصيات كارتونية شهيرة، كما تحولت الزينة الورقية اليدوية إلى نوع من الزينة المبتكرة والجاهزة التي تتداخل فيها الألوان المتلألأة والمبهجة مع أنوار الكهرباء المبهرة. وإذا كانت طقوس المأكل والمشرب والزينة التي ارتبطت بالشهر الكريم ترجع إلى الفاطميين كما هو شائع فى ثقافتنا العامة، إلا أن المصريين المعاصرين استطاعوا مع ظهور الإذاعة والتليفزيون أن يبتكروا رمضانا آخر مواز، رمضانا فنيا. فعرف رمضان بمسلسلات ألف ليلة وليلة الإذاعية، وكذا مسلسلات شويكار وفؤاد المهندس وكان أشهرها ”شنبو فى المصيدة”. وفى التليفزيون المصري اشتهر رمضان بالفوازير، وهى التي بدأت مع ثلاثي أضواء المسرح ووصلت إلى الذروة مع نيللي وشيريهان حتى أنه لم يكن من المتصور أن يكون هناك رمضان دون فوازير، ومن رحم الفوازير خرجت برامج المسابقات، وكان من أشهرها برنامج “دورى النجوم” الذى كان يقدمه الإعلامى القدير طارق حبيب، ثم ظهرت برامج المقالب التي بدأت ببرنامج “الكاميرا الخفية” الذى كان يقدمه فؤاد المهندس ويؤديه ممثل الإعلانات اسماعيل يسرى، ثم ازدهرت على يد الممثل إبراهيم نصر، ووصلت إلى حد الهوس فى سلسلة برامج رامز جلال الشهيرة. وفى مرحلة متأخرة عرف المصريون رمضان المسلسلات، وهى التي بدأت بدراما المؤلف التي بدأها أسامة أنور عكاشة واشتهرت بمسلسلات “ليالي الحلمية” و”زيزينيا” ثم ظهر محمد صفاء عامر ومسلسلات الجنوب التي قدم فيها الرجل الصعيدي في صورة جديدة خاصة في أعمال “ذئاب الجبل” و “الضوء الشارد” و “حدائق الشيطان” وتلاه مجدى صابر الذى برع فى تقديم عالم رجال الأعمال كما في مسلسلي “الرجل الآخر” و”للعدالة وجوه كثيرة”. وتحولت المسلسلات من دراما المؤلف إلى دراما النجم لنشهد رمضان يحيى الفخراني الذى قدم لنا العديد من الأعمال المتميزة كان أبرزها “نصف ربيع الآخر” و “حمادة عزو” و “الليل وآخره”، كما شهدنا رمضان نور الشريف الذى قدم لنا “لن أعيش في جلباب أبى” و “الحاج متولى” و “سعد الدالي” . وأخيرا وصلنا إلى رمضان الراقصات الذى هيمنت فيه الراقصات ونجمات الإغراء على الدراما الرمضانية، بحيث تصدرت المشهد نجمات من قبيل علا غانم وغادة عبد الرازق وفيفي عبدة وهيفاء وهبي .. وكل عام وأنتم بخير .
2- عمو فؤاد والبحث عن الزمن الضائع
للماضي سحر خاص لا يمكن الفكاك منه، وأعتبر نفسى واحدا من الكثيرين الذين يعشقون الذكريات، ويعملون طوال الوقت على استدعاء الماضي والعيش فيه بكافة الطرق الممكنة. أقوم بذلك من خلال ألبومات الصور التي تعكس طفولتي وصباي، والتسجيلات الصوتية التى تحمل روح شبابي الفتية حيث لا هموم أو مسئوليات، فقط حياة طازجة مفعمة بجمال اللحظة وروعة العابر، عندما يمر سريعا كعطر فواح أو كومضة نجمية متألقة فى سماء ليل ساحر، يغطى الكون بعباءته الأسطورية الخالدة.
وكما الكثيرين من عشاق الذكريات، أقوم بمحاولات بروستية عديدة من أجل استعادة كينونتي الشعورية الأولى من خلال الفن، فأحرص على مشاهدة أفلام الأبيض والأسود ومسلسلات زمان وأغاني زمان، وكل ما له صلة بالماضي وبالقدم، الحياة والوجوه، واللغة المحتشمة المحتفظة بكامل تأنقها.
ولأن الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية هي من أكثر الأشياء التي تثير الذكريات، فأنا أعشق رمضان البعيد الذى عشته في طفولتي، واعمل دائما على استعادته، خاصة في ظل توفر الفضائيات التى تذيع المواد القديمة، ومواقع التواصل الاجتماعي التى تبحث عن كل ما هو أصيل، ومواقع اليوتيوب التى تحتفظ بسجل شبه كامل لحياتنا الماضية.
بالأمس جلست بين طفليي الصغيرين أمام شاشة اللاب توب، وحاولت أن أمارس هوايتي المفضلة في حضور أطفالي. تظاهرت بمشاركتهم اهتماماتهم وأخذت اعبث بالماوس السحري لجلب عوالمي القديمة الاثيرة. حاولت أن أرجع بأولادي للوراء وادخلهم في كهف ذكرياتي، ليشاركوني طفولتي ويخبرون دهشتي الأولى. استعدت بعضا من حلقات “عمو فؤاد” و “جدو عبده”، وأخذت أراقب الدهشة فوق وجوههم. كان ثمة بسمة وشىء من الفرحة الضبابية الغامضة، وما هى إلا دقائق حتى بدأوا يشعرون بالملل، وخبت الفرحة الملغزة والدهشة المصطنعة التي دفعتهم إليها بسلطتي الأبوية الظالمة، ثم مالت طفلتي الصغيرة على أذنى، وطلبت منى مشاهدة فيلم التحريك “ربانزل.. الأميرة المفقودة”، بينما مال على أذنى الأخرى طفلي الأكبر وطلب فيلم ” أسترو بوى”. وهنا أدركت أن الزمن لا يمكن أن يعود إلى الوراء، وأن الماضي إنما يحيا داخلنا نحن الكبار الذين أوشكنا على تسليم الراية، أما صغارنا فهم المستقبل الذى يحيا بيننا دون أن نشعر. فنحن دائما ننظر للوراء وللأمام ونذهل عن الحاضر، الكنز المخبوء المليء بكل الإمكانيات.
3- مصر تحت الصفر
منذ سنوات عديدة مضت أصبح رامز جلال أيقونة للسخف والاستخفاف، بل وللتخلف على حد تعبير البعض. والحقيقة بالرغم من الانتقادات العديدة التي وُجهت للبرنامج إلا أنه مازال مستمرا بنفس السخف ونفس النجاح. وبهذا المعنى تحتاج المسألة إلى رؤية مغايرة لتحليل هذه الظاهرة.
فمن الناحية الموضوعية رامز جلال يتمتع بكاريزما خاصة لا تتوفر للكثيرين من الفنانين ومقدمي هذا اللون من البرامج، وليس أدل على ذلك من أن هاني رمزي ومحمد فؤاد حاولا تقديم نفس الأفكار لكنهما لم يحققا نصف نجاح رامز. كما أن البرنامج مصروف عليه، ويحقق أعلى نسب مشاهدة في رمضان، ومن الصعب على المشاهد أن يمنع نفسه من مشاهدته حتى أولئك الذين ينتقدونه. ومن ناحية أخرى، فإن برامج المقالب المعروفة بالكاميرا الخفية لها تاريخ طويل كبرامج للتسلية، تهدف للترفيه وللتربح من حصيلة الإعلانات التي تحققها. حدث ذلك فى مصر منذ سنوات بعيدة، بدءا ببرنامج “الكاميرا الخفية” الذى كان يقدمه الفنان القدير فؤاد المهندس، ومرورا ببرنامج “زكية زكريا” الذى كان يقدمه الفنان ابراهيم نصر، وكان الأكثر استفزازا في تاريخ هذه البرامج، وانتهاء ببرنامج “الحقونا” وما تلاه من برامج على نفس الشاكلة مازالت تذاع حتى الآن لكن دون صدى ملموس.
ليس هذا فحسب، لكننا أيضا يمكن أن نعثر على مثل هذا النوع من البرامج في تليفزيونات العالم المتقدم بما فيها أمريكا التي تجاوزت مرحلة الاستخفاف ووصلت إلى مرحلة خدش الحياء عندما قدمت برامج تعتمد على المقالب الجنسية.
والسؤال الذى ينبغي أن يُطرح؟ إلى أي مدى يمكن لهذا النوع من البرامج أن يؤدى إلى التخلف، وإيقاف عجلة التقدم والتنمية ؟ في الحقيقة، إن هذه البرامج أضعف من أن تحدث أى تأثير سلبى فى مضمار التقدم والتنوير، لأنها ببساطة نتيجة للتخلف وليست سببا له. إن رامز جلال وبرنامجه هما مجرد تجل ضمن تجليات عديدة للاستخفاف والتخلف الذى يملأ حياتنا من قبل أن يولد رامز جلال او ابراهيم نصر أو حتى فؤاد المهندس. إن الحقيقة المرة التي لا مفر من الاعتراف بها، هي أنه ليس رامز هو الذى تحت الصفر بل مصر كلها من قبل رامز بسنوات بعيدة هى التى تحت الصفر، منذ أن تجمد عقلها، ولم تعد قادرة على الخروج من هذا الفريزر الضيق، حتى لو استدرجها رامز إلى جليد روسيا !!
تأملات فلسفية فى المسألة الرمضانية

