د. ماهر عبد المحسن
جرائم القتل والإيذاء البدني التي انتشرت في المجتمع مؤخرا، ترجع في معظمها إلى العصبية الزائدة. فالظروف الموضوعية الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة على الأشخاص العصبيين يمر بها الجميع، غير أن العصبي هو من يتأثر بها بنحو أكثر ومن ثم تكون استجابته الانفعالية أكثر قوة وعنفا.
فالشخص العصبي لديه قوة غضبية مدمرة بحيث تؤدي به إلى أن يؤذي نفسه أو يؤذي الآخرين، والإيذاء قد يكون نفسيا أو ماديا، وفي كل الأحوال يكون العصبي هو الفاعل أو الجاني. والمشكلة أن هناك قطاعا عريضا من العصبيين تأتي تصرفاتهم المسيئة على غير رغبتهم، لأنهم ليسوا أشرار ولا يعمدون إلى إيذاء الغير، لكنهم يفقدون السيطرة على تصرفاتهم عندما يقعون تحت ضغط.
والمسألة على هذا النحو تثير إشكالية أخلاقية حول مدى مسؤوليتهم عن تصرفاتهم، غير الواعية في الغالب، فمن الملاحظ أنهم لا يدركون خطورة تصرفاتهم في حينها، لكنهم يدركونها بعد ذلك ويشعرون بالذنب، فيندمون على فعلها ويحاولون، قدر طاقتهم، الاعتذار لمن أساءوا إليهم وإرضائهم بكل الطرق. ومن الملاحظ أيضا أن الآخرين ، الذين يستوعبون الموقف ويملكون القدرة على العفو، يقبلون الاعتذار، غير أن ذلك لا يحل المشكلة، لأن الموقف ما يلبث أن يتكرر مرة أخرى بل مرات كثيرة لا تنتهي، بحيث تكون الإساءة من طرف والعفو من طرف آخر هي السمة الغالبة على العلاقة بين العصبي ومستوعب العصبية.
وواضح أنها علاقة غير عادلة أخلاقيا، خاصة عندما نعلم أنها تستمد مشروعيتها من اتفاق ضمني ظالم بين الضحية والجلاد، فالعصبي يعرف أنه عصبي وأنه يتصرف بنحو غير واع، كما يعرف أن الآخرين يعرفون هذه الحقائق وأنهم لذلك لن يؤاخذونه إذا ما تجاوز حدوده في علاقته بهم، والآخرون بالفعل يعرفون هذه الحقائق ويتصرفون على النحو الذي يتوقعه العصبي.
والعلاقة ظالمة لأن العصبي، بناء على هذا التفكير، يمنح نفسه حرية التعدي على الآخرين بحجة أنه عصبي، ويمنع الآخرين من حقهم في الاعتراض، الذي كان سببا، في الغالب، لعصبيته. وهو بهذا المعنى، شخص يفتقر إلى العدل، ولكنه، وفي مفارقة صارخة، يحيا بفضل الآخرين وإحسانهم!
والعلاقة غير عادلة لأن أحد أطرافها يمارس حريته غير المسؤولة على حساب آخرين يقبلون أن يتنازلوا عن قدر من حريتهم المشروعة استيعابا للموقف وتفاديا للصدام!
وحتى يتحقق للعلاقة التوازن الأخلاقي المطلوب ينبغي على العصبي أن يبذل من الجهد ما يساوي، على الأقل، جهد الآخرين الذين يتحملون عصبيته، بحيث يراقب نفسه أثناء الانفعال، أو حتى بعده عن طريق التذكر، ويعمل على كبح جماح غضبه في المرات القادمة. والمسألة ممكنة عن طريق المران، خاصة إذا توافرت النية والإرادة، مع تعديل بسيط في منظومة القيم التي يتصرف على أساسها بنحو غير واع، بأن يكون مصدرا للقيم بدلا من أن يكون موضوعا للقيم، وأن يصدر سلوكه عن أنا عادلة وليس آخرا فاضلا!

