د. ماهر عبد المحسن

 

فى عام 1966 قدم المخرج الإيطالي سيرجيو ليون تحفته الثالثة، فى سلسلة أفلامه عن الغرب الأمريكي، “الطيب والشرس والقبيح”، بعد نجاح فيلميه السابقين “من أجل حفنة دولارات” و”من أجل مزيد من الدولارات”. وقام ببطولة “الطيب والشرس والقبيح”، ثلاثة من ألمع نجوم الويسترن فى ذلك الوقت: كلينت إستوود، إيلى والاش، لى فان كليف.

وبالرغم من أن الفيلم ينتمى إلى أفلام الكاوبوى الشهيرة، ويصور الصراعات الدامية التي تدور بين بعض المغامرين، فى فترة الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، من أجل الحصول على الذهب، إلا أن مثلث “الطيب والشرس والقبيح” من الثراء بحيث يمكن نقله من مجال السينما وافلام الويسترن إلى مجالات معرفية أخرى كأداة تفسيرية لفهم العديد من الظواهر النفسية والاجتماعية والعلمية.

ولن أكون مبالغا إذا قلت إنه من خلال متابعتي للعشرات من جلسات مناقشة الرسائل العلمية فى الكليات المختلفة، لاحظت أن منصة المناقشة لا تكاد تخرج عن هذا المثلث. فالمناقش إما طيب أو شرس أو قبيح، وليس بالضرورة أن يجتمع الثلاثة فوق منصة واحدة.

وإذا بدأنا بترتيب معكوس، فسنجد أن المناقش القبيح هو ذلك المناقش الذاتي، الذى لا يهتم كثيرا بالباحث أو بالرسالة قدر اهتمامه بذاته ورغبته المريضة فى الظهور، فيعمد إلى اصطياد الأخطاء من أجل إحراج الباحث، فى مقابل استعراض معلوماته وإبراز قدراته الخاصة وخبراته التي قد تكون بعيدة عن موضوع المناقشة. ومثل هذا المناقش يكون فى الغالب غير متخصص فى المادة بنحو دقيق، ويتم ترشيحه للمناقشة من باب العلاقات والمجاملات.

 والمناقش الشرس، لا يختلف كثيرا عن المناقش القبيح، سوى فى إلمامه بموضوع المناقشة وتخصصه الدقيق فيها. إلا أنه يحمل نفس آفة الأنانية والرغبة فى الظهور واستعراض المعلومات. ولأنه متخصص، فيمكن اعتباره مناقشا موضوعيا، لأنه يميل الى التركيز على تفاصيل الرسالة، إلا أن رغبته فى الظهور واستعراض المعلومات من أجل إثبات الذات تجعله يغالى فى التركيز على تفاصيل التفاصيل، ومحاولة إحراج الباحث طوال الوقت وإثبات قصوره وضحالة معارفه، فيسأله عما لم يكتب، وعن الأفكار التى لم يتطرق إليها،  والمراجع والمصادر التى لم يرجع إليها، دون التطرق لما كتبه الباحث بالفعل وما قدمه من أفكار وما رجع إليه من مراجع ومصادر. ومثل هذا المناقش يستغرق وقتا طويلا ومملا بالنسبة للباحث والحضور والمنصة نفسها، فقد تستغرق مناقشته وحدها الساعة والنصف من ثلاثة مخصصة للمناقشة بكاملها.

وأخيرا ياتى المناقش الطيب، والذى نعتبره النموذج لما ينبغي أن يكون عليه المناقش العلمي، وهو المناقش الأبوي أو الأخلاقي، وغالبا ما يكون كبيرا فى السن وفى الخبرة، ويملك من العلم والثقة بالنفس ما يجعله يترفع عن محاولة استغلال وضعه كمناقش لرسالة علمية يتوقف عليها مصير الباحث، من أجل تحقيق مآرب ذاتية أو التنفيس عن عقد نفسية لا ذنب للباحث فيها. ويتميز هذا المناقش بمراعاة البعد الإنساني والنفسي والاجتماعي للباحث، وهو يملك، بحكم خبرة السنين، القدرة على استيعاب موقف المناقشة بشكل كلى شامل، فلا يتحامل على الباحث ولا يعمد إلى إحراجه أو إيقاعه فى الخطأ.  بل على العكس يجعل تعاطفه الإنساني جنبا إلى جنب المناقشة العلمية، وعليه يمنح الباحث الفرصة للتعبير عن نفسه، وإبرازه لما قدمه بالفعل وليس ما لم يقم به.

ومن أبرز المناقشين الذين حضرت مناقشاتهم ولمست فيهم هذه السمات كان د. محمد مهران استاذ الفلسفة بآداب القاهرة، ومن اقواله: “يكفى ما يلقاه الباحث فى حياته، فلا ينبغي أن نكون نحن والزمن عليه “. ود.صلاح قنصوه أستاذ الفلسفة بأكاديمية الفنون، ومن أقواله: “نحن هنا لتقييم أداء، ولسنا بصدد اصطياد أخطاء”.

وبالرغم من أن الواقع قد يتطابق مع الفن فى بعض الأحيان، إلا أنه يتفوق على الخيال الفني فى الكثير من الأحيان. حدث ذلك ذات مرة عندما وقف وزير الأوقاف المصرية يكيل الشتائم لطالب ماجستير أثناء مناقشته لرسالته فى حالة من الانفعال لا تتناسب وجلال الموقف العلمي الذى كان يتحدث فى حضرته.  فالمسألة هنا تتجاوز البعد النفسي وعقد النقص التي يحملها بعض المناقشين تجاه الباحثين الشباب، التى ذكرناها منذ قليل.

إن المسالة، فيما يبدو، أكبر كثيرا من مناقش يتسم بالشراسة أو القبح، إننا إزاء نوع مختلف وخطير، وهو المناقش المؤدلج. المناقش الذى يملك السلطتين: الإدارية والعلمية، فمن خلال الأولى يتصرف على النحو الذى يضمن له رضاء النظام ومن ثم الحفاظ على منصبه، ومن خلال الأخيرة يسقط عقده ولا أخلاقيته على الباحث، ويحاصره بالسلطتين، هو ومشرفيه، بحيث يملك حق منح الدرجة أو منعها بإرادة منفردة غاشمة، وبالطريقة التى يراها هو وحده.

والمشهد برمته مؤسف ومحزن، خاصة عندما نتأمل موقف الباحث الشاب الذى لا يملك إلا الإذعان، لأنه يخشى على مستقبله، ويريد أن يعيش ويأكل عيش، رغم تعرضه للمذلة وللمهانة، وكان يستطيع أن يقاضى الوزير الذى لم يتورع عن سبه بأقذع الألفاظ علنا وفى وجود عدد كبير من الحضور، بالإضافة إلى الكاميرات التي كانت تنقل الحدث.

إن الأمر جد خطير، ويحتاج إلى وقفة لإعادة صياغة العلاقة بين المناقش والباحث ووضعها فى شكلها الصحيح، كعلاقة فيها من الندية العلمية ما يثرى المناقشة، ويدفع حركة البحث العلمي إلى الإمام، وبمعزل عن أى سلطة عدا سلطة الأخلاق.

فى أفلام الغرب الأمريكي يقف المتبارزان على مسافات متساوية، ويحمل كل منهما سلاحه فى يده، وعند إشارة البدء يطلق كل منهما رصاصته فى اتجاه الآخر. والأمهر، والأسرع هو الذى يفوز، والخاسر يخسر بشرف. أما أن يقف الباحث أعزلا ، بينما يملك المناقش كل الأسلحة، المشروعة وغير المشروعة، فهذا منتهى الظلم.

إن العلم والفكر هما خط الدفاع الاخير ضد الفساد والظلم والقهر، وإذا بدأ الباحث حياته بالخوف والخنوع، فلا أمل فى مستقبل أفضل ولا حياة أجمل.

 

 


أضف تعليق